بغداد تختار المواجهة بعد تمديد مهل الحل: القوات العراقية تقتحم كركوك

36 مشاهدات

بعد أيام من «مُهل ما قبل المواجهة» وانتظار مساعي الحلول من أطراف داخلية وإقليمية، اقتحمت القوات العراقية فجر أمس حقول نفط ومرافق حكومية وعسكرية في كركوك، إثر فشل جميع الوساطات. هذا التطوّر لن تتحدَّد مفاعيله في «النزاع» على المحافظة الغنية بالنفط وحسب، بل ستتعدّاه إلى مجمل الاشتباك السياسي القائم في البلاد بعد «استفتاء الاستقلال» في إقليم كردستان أواخر الشهر الماضي، إذ ظهرت أمس قدرة بغداد على امتلاك المبادرة العسكرية، ما يعني رفع سقف المواجهة مع مسعود البرزاني… ونقل الصراع القائم إلى حلبة جديدة ترسم بغداد خطوطها الحمر

سريعاً سقطت مفاعيل «مهلة الساعات» التي قدّمتها بغداد لأربيل للاستجابة لمطالبها والانسحاب من كركوك. فبعد أيام من المباحثات واللقاءات، هاجمت القوات العراقية بعد منتصف الليل حقول النفط وقاعدة «k1» الجوية في كركوك.

فخلال نهار أمس، كانت كل المعطيات حسب الأوساط الحكومية العراقية تفيد بأنّ «بوادر الحل مسدودة الأفق»، وأن المواجهة مع «البشمركة» واقعة، بالرغم من محاولة تجنّبها منعاً لانتقالها إلى محافظاتٍ أخرى، وسط تمسّك الطرفين بجملةٍ من المطالب؛ فالحكومة الاتحادية تتمسّك بـ«إلغاء الاستفتاء ونتائجه»، في مقابل تشبّث «الحزب الديموقراطي الكردستاني» (برئاسة مسعود البرزاني) و«الاتحاد الوطني الكردستاني» (بزعامة آل طالباني) بالاستفتاء ونتائجه، وإعلانهم أمس إرسال مذكرةٍ من 5 نقاط إلى حكومة بغداد.
وأفاد مسؤولون عراقيون وآخرون أكراد بأنّ «القوات العراقية بدأت بالتحرك صوب حقول نفطية وقاعدة جوية مهمة قرب مدينة كركوك».
وقال المقدم في الجيش العراقي صلاح الكناني لوكالة «رويترز» إنّ «هدف هذا التقدم هو السيطرة على قاعدة كيه 1 الجوية (تابعة للفرقة 12 في الجيش العراقي، وقد استولى عليها عناصر البشمركة في حزيران 2014 بُعيد سقوط الموصل) غربي كركوك». بدوره، لفت «مجلس الأمن التابع لحكومة كردستان» إلى أنّ «القوات العراقية والحشد الشعبي يتقدمان الآن من تازة جنوبي كركوك في عملية كبيرة وهدفها دخول المدينة، والسيطرة على قاعدة كيه 1 وحقول النفط».
فشلت جميع وساطات
التهدئة ومساعي الحلول من أطراف محلية وإقليمية

في موازاة ذلك، أكد مصدر عسكري عراقي لوكالة «الأناضول» أنّ العملية «تهدف إلى فرض سيطرة الحكومة الاتحادية على المحافظة واستعادة المرافق الحيوية فيها»، مشيراً إلى أنّ «القوات دخلت منطقة الحي الصناعي ومعسكر خالد من دون مقاومة». وأضاف أن «العملية تشارك فيها قوات من الفرقة المدرعة التاسعة والرد السريع ومكافحة الارهاب والحشد الشعبي».
مصدر آخر في كركوك لفت إلى أنّ «قطعات مكافحة الإرهاب باشرت حركتها باتجاه مشروع ري كركوك… وأنّ الأوامر صدرت والحركة بدأت عبر ستة محاور عسكرية».
وحتى فجر اليوم، تبيّن حسب مصادر مختلفة «سيطرة القوات المشتركة على معسكر خالد»، بعد انسحاب عناصر البشمركة منه. ونقلت أيضاً أنّ تحرك القوات العراقية يأتي «باتجاه أهداف مرسومة لها، ومنها محور الحقول النفطية في (بابا كركر)، والمحور الثاني من منطقة تازة».
تأتي هذه التطورات الدراماتيكية بعد اجتماع استمر لأربع ساعات في مصيف دوكان في محافظة السليمانية، بحضور الرئيس العراقي فؤاد معصوم، ورئيس «الإقليم» مسعود البرزاني، ورئيس حكومته نيجيرفان البرزاني. وخلص الاجتماع إلى بيان أكدوا فيه على «النقاط الخمس»، وهي ضرورة «توحيد الموقف السياسي والشعبي لتجاوز الأزمة الحالية، أولاً، وحلحلة كل المشاكل بالمفاوضات ودون شروط مسبقة، ثانياً، واستعداد الأحزاب الكردیة لإجراء مفاوضات وفق مصالح أربیل وبغداد، ثالثاً». وشدد البيان على أن تكون «المفاوضات بين أربيل وبغداد بإشراف أطرافٍ دولية»، فيما رفضت النقطة الخامسة «التدخلات والتهديدات العسكرية التي تؤثّر على العلاقة بين الإقليم وبغداد، باعتبارها خرقاً للدستور والقوانين التي ترفض استعمال القوة في حسم الصراعات الداخلية».
نتيجة اجتماع القوى الكردية الذي أظهر تعنتاً في المواقف ورفض التراجع ــ بالنسبة إلى بغداد ــ ظهرت في التحرك العسكري بعد ساعات من انعقاده، إذ قبيل هذا الاجتماع، كانت المصادر العراقية تشير في حديثها إلى «الأخبار» إلى أنّ رئيس الحكومة حيدر العبادي «يُفضّل التروّي في استخدام القوّة»، وأنّه «يُعوِّل على مباحثات قائد فيلق القدس، الجنرال قاسم سليماني، مع القادة الأكراد، بعدما وصل إلى الإقليم أوّل من أمس، في مسعىً لتقريب وجهات النظر بين بغداد وأربيل».
وكان «المجلس الوزاري للأمن الوطني» قد أكد، في اجتماعه برئاسة العبادي أمس، أنّ «بعض الأطراف المنفّذة للاستفتاء تسعى إلى خلق حالة تعبئة عسكرية بدعاوى مختلفة». وحذّر المجلس، أيضاً، من «التصعيد الخطير والاستفزازات التي تقوم بها قواتٌ تابعة للإقليم، خارج حدوده، تريد جرّ البلاد إلى احتراب داخلي من أجل تحقيق هدفها في تفكيك العراق والمنطقة، بغية إنشاء دولة على أساسٍ عرقي».
وأشار إلى «تحشيدات عناصر مسلحة خارج المنظومة الأمنية النظامية في كركوك، من أحزاب متنفذة لا تنتمي إلى كركوك، وإقحام قواتٍ غير نظامية بعضها ينتمي إلى حزب العمال الكردستاني»، واصفاً ذلك بـ«التصعيد الخطير، الذي لا يمكن السكوت عنه، ويمثل إعلان حربٍ على باقي العراقيين والقوات الاتحادية النظامية».
اتهام بغداد لأربيل بالاستعانة بـ«خصم» البرزاني لوقف زحف قواتها باتجاه حقول كركوك النفطية نفاه الرئيس المشترك لـ«الهيئة التنفيذية لمنظومة المجتمع الكردستاني» وقيادة «حزب العمّال» جميل بايك، أمس، مشدّداً على أنّ «الحزب لن يكون طرفاً في هذا الصراع الناجم عن السياستين الخاطئتين لحكومتي العراق والإقليم».
(الأخبار)