ما علاقة انهيار الدولة و«ملك النحس» بتأهل مصر لكأس العالم؟

48 مشاهدات

  عمت مظاهر الفرح شوارع الوطن العربي بوجه عام من المحيط إلى الخليج، وشوارع محافظات مصر الـ27 بوجه خاص، احتفالاً بإنجاز وصول الفراعنة إلى كأس العالم 2018، للمرة الثالثة في تاريخهم، وللمرة الأولى منذ 28 عاما.
وانتزع مهاجم ليفربول محمد صلاح تأشيرة سفر بلاده إلى روسيا بشق الأنفس، وبعد معاناة أمام منتخب الكونغو، أعادت إلى الأذهان شريط الذكريات المؤلمة وسنوات الفرص الضائعة، خاصة بعد هدف الصدمة الذي أحرزه اللاعب بوكا موتو في شباك الأسطورة عصام الحضري قبل نهاية المباراة بأربع دقائق فقط، إلا أن القدر كان رحيما بركلة الجزاء التي أشار إليها الحكم الدولي الغامبي بكاري غاساما لمصلحة محمود حسن تريزيغيه في الوقت المُحتسب بدل من الضائع، ليتكفل بها صاحب القلب الفولاذي، ويُنهي بها عقدة وصول مصر إلى كأس العالم.

ما الخلل؟

لا يُخفى على أحد شغف المصريين وتعلقهم الشديد باللعبة الشعبية الأولى على مستوى العالم، كيف لا ولديهم كبير القوم على مستوى الأندية «النادي الأهلي»، الذي قال عنه البرتغالي مانويل جوزيه: «أقود فريق لديه مشجعون أكثر من مشجعي منتخب بلادي»، ناهيك عن وصفه «بنادي القرن» بشكل رسمي من «الكاف»، وأكثر من حقق دوري الأبطال، ويليه غريمه «الزمالك»، كأكثر فريقين حصدا للألقاب الجماعية داخل القارة. ولا ننسى أن المنتخب المصري داخل القارة، يُنظر إليه من المنتخبات الكبرى قبل الصغيرة، على أنه سلطان كل العصور، لحصوله على بطولة «الكان» سبع مرات، كأكثر منتخب أفريقي حصولاً على الكأس، ويليه أسود الكاميرون بخمسة ألقاب، بعد فوزه على أبناء النيل في نهائي البطولة التي نظمتها الغابون مطلع العام الحالي، ولولا خسارة رجال كوبر، لاتسع فارق الألقاب بينهما لأربعة. وبعيدا عن الانتماء الشخصي أو العربي للمنتخب المصري. فكل الشواهد تقول أن بلدا كهذا تأخر كثيرا في وصوله إلى المونديال، فتاريخيا، هو من دعم السودان وإثيوبيا لتأسيس الاتحاد الأفريقي قبل أكثر من نصف قرن، وعندما يُشارك المنتخب أو العملاقان الأهلي والزمالك في أي مسابقة، تجدهم أكثر وأقوى المُرشحين، حتى لو كانوا في أسوأ حالاتهم، وتجلى هذا في وصول المنتخب إلى نهائي البطولة، بعد غيابه عنها ثلاث مرات متتالية، حتى الزمالك الذي أنهى الدوري الموسم الماضي في المركز الرابع، وصل لنهائي دوري الأبطال 2016، والآن يتواجد الأهلي في نصف النهائي. ومن الأمور المهمة التي تُساعد دائما على نجاح المنتخب والأهلي بالذات، حجم الإنفاق الهائل وتوفير كل سبل الراحة لتحقيق الأهداف المنشودة، بدليل أن العامة ينظرون إلى اللاعبين المشاهير على أنهم من أصحاب الطبقة الأولى أو باللهجة المصرية «من علية القوم»، ومرض الشهرة والهوس باللاعبين وصل للذروة، لدرجة أن كثيرا من الشباب يرى حلمه وكبرياءه فقط في نجاح محمد صلاح وما يُصدره للعالم عن شخصية الشاب المصري، وتأكيدا على ذلك، حاول أن تسأل طفلا مصريا عمره لا يتجاوز الـ10 ما حلمك؟ لن تندهش كثيرا إذا سمعت أكثر من 50% (على الأقل) يقولون صلاح الخير! المُدهش أكثر أن مؤسسة الدولة المصرية، أو بمعنى أدق وصفا «مؤسسة الرئاسة المصرية»، كثيرا ما قدمت «لبن العصفور» لأجيال وأجيال تعاقبت على المنتخب لكسر نحس الوصول لكأس العالم، مع ذلك، باءت كل المحاولات بالفشل، ولو عُدنا بالذاكرة إلى الوراء أقل من عقد، سنتذكر ما كان يفعله أبناء الرئيس الأسبق علاء وجمال مبارك، وهل هناك أكثر من السفر إلى أنغولا خصيصا لتقديم الدعم لحسن شحاتة ورجاله في المباراة النهائية أمام غانا؟ بالتأكيد لا… بخلاف استقبال الرئيس نفسه في المطار.

«فلاش باك»

ملايين طائلة، دعم دولة وشعب، نجوم وأساطير، ملاعب جيدة، دوري لا يُستهان به. كل هذا ولم تلعب مصر في كأس العالم إلا مرتين، الأولى في إيطاليا 1934 والثانية أيضا في بلاد البيتزا عام 1990، وما بين كل هذا العقود، ظهر عشرات النجوم والسحرة الذين حُرموا من شرف اللعب في كأس العالم، فهل هناك أفضل من من أنجبته الملاعب المصرية على مر التاريخ محمود الخطيب؟ لم يظهر في المونديال… الأمر ذاته لحسن شحاتة وطاهر أبو زيد وحازم إمام وميدو والأشهر والأكثر شعبية من أي لاعب آخر محمد أبو تريكة. وقبل التسعينات، كانت أفريقيا تُشارك بمنتخبين فقط في كأس العالم، في الوقت الذي كانت فيه منتخبات غرب أفريقيا تكتسح الأخضر واليابس بنجومها العظماء مثل روجيه ميلا مع الكاميرون، وعبيدي بيليه مع غانا، وفي الحقبة ذاتها، صعدت نيجيريا بسرعة الصاروخ إلى قمة الكرة الأفريقية بجيل الساحر أوكوشا الذهبي، مع بداية ما كان يُسمى حتى الماضي القريب «عقدة شمال أفريقيا»، بإيجاد صعوبة بالغة في مجارة عرب أفريقيا وبالأخص تونس والمغرب والجزائر. هذه الأمور صعبت مهمة مصر في الوصول لكأس العالم، لكن بعد انتفاضة 1990 بقيادة الراحل محمود الجوهري، اعتقدت الجماهير أن المنتخب لن يغيب عن كأس العالم لعقود طويلة، ولن ينتظر فرصة تنظيم إيطاليا (وجه الخير) حتى يصعد، وتأكد هذا الاعتقاد في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 1994، عندما فاز أصدقاء حسام حسن على زيمبابوي بهدفين لهدف في استاد القاهرة، وأصبحوا على بعد أمتار من الوصول للمونديال. لكن صباح يوم المباراة التي اعتمد عليها الفنان المصري عادل إمام في أحد مشاهد فيلمه الشهير «الإرهابي»، تفاجأ الجميع ببرومو (الحسم في ليون)، ليكتشفوا بعد ذلك أن «الحجر» الذي ألقاه أحد المشجعين على رأس أحد مدربي منتخب الضيف، والذي قام مخرج المباراة بإعادته من 3 أو 4 زوايا، تسبب في إلغاء نتيجة المباراة وإعادتها في بلد مُحايد، وأقيمت بالفعل في ليون، وانتهت بدون أهداف، لتبدأ رحلة المعاناة بعد إهدار مجدي طلبة فرصة ما زالت عالقة في الأذهان حتى الآن.

التجربة الثانية

قبل بدء تصفيات مونديال فرنسا 1998، قرر الاتحاد المصري التعاقد مع اثنين من أهم وألمع أساطير حقبة الثمانينات فاروق جعفر ومحمود الخطيب على رأس الجهاز الفني، بصلاحيات غير واضحة للاثنين، وآنذاك لم يكن أحد يعرف من منهما المدرب ومن المساعد، صحيح البداية جاءت موفقة بفوز عريض على ناميبيا بسبعة أهداف لهدف داخل الديار، لكن في الجولة الثانية سقطت مصر أمام تونس بهدف زوبير بيه، وتبعتها بالهزيمة التاريخية أمام ليبيريا بهدف جورج وياه، الذي غالط به الحضري بتسديدة عبقرية بالقدم اليسرى، ليضيع الحلم في أول تصفيات أفريقية بعد زيادة عدد المقاعد السمراء لخمسة.

بداية تأصيل العقدة

مرة أخرى دفع الشعب المصري أربع سنوات من عمره، انتظارا للحظة الصعود إلى المونديال، وفي تصفيات مونديال 2002، زادت الطموحات والآمال بعد ظهور جيل من المحترفين من نوعية حازم إمام وياسر رضوان ومحمد عمارة وعبدالستار صبري، وفي مقدمتهم المحترف الكبير هاني رمزي ونجوم الدوري المحلي حسام وإبراهيم حسن وسمير كمونة وبقية هذه الأسماء، لكنهم اصطدموا بجدار المغرب العازل، بتعادل أمام أكثر من 80.000 مشجع، اكتفوا في النهاية بالتحسر على فرصة طارق السعيد، التي يراها جُل النقاد إلى الآن، السبب الرئيسي وراء غياب هذا الجيل عن كأس العالم.

دروغبا والجزائر

وصل المنتخب المصري لذروة إدمانه للخروج من تصفيات كأس العالم، بتسليم المنافسة لساحل العاج والكاميرون قبل نهاية دور الذهاب، بنتائج كارثية، منها الخسارة أمام دروغبا في الأسكندارية، والسقوط أمام طارق التايب ومنتخبه الليبي، لتذهب ورقة الترشح للذهاب إلى ألمانيا، قبل أن تأتي صدمة العمر بخروج أفضل جيل في التاريخ أبو تريكة ووائل جمعة وحسني عبد ربه وعماد متعب على يد الجزائر في مباراة السودان الفاصلة، واكتمل اعتقاد المصريين بأن المستحيل الرابع بعد الغول والعنقاء والخل الوفي هو وصول الفراعنة لكأس العالم، بعد الإهانة أمام غانا، بخسارة تاريخية وصل قوامها لسداسية مقابل هدف في ذهاب الدور الإقصائي المؤهل إلى البرازيل، اضافة إلى أن هذا حدث في الوقت الذي كان يُسيطر فيه شحاتة ورجاله على بطولة افريقيا باحتكارها ثلاث مرات على التوالي.

«ربك لما يريد»

يشاء القادر العليم، أن يأتي أمل المصريين من رحم معاناة انهيار الدولة على مدار السنوات القليلة الماضية، أو بالأحرى بعد سنوات الثورة التي شهدت المذبحة التاريخية بسقوط 72 مشجعا أهلاويا داخل ملعب نادي المصري البورسعيدي مطلع فبراير 2012، لينتهي شهر العسل بين الدولة المصرية ولعبة كرة القدم بٌرمتها، بوقف الدوري المحلي في الموسم ذاته، وفي الموسم التالي أُلغيت مسابقة الدوري على خلفية الأحداث السياسية وما حدث بعد 30 يونيو. وبعد عودة النشاط، سُمح بإقامة المباراة، لكن كما يقول الكتالونيون: «من وراء أبواب مُغلقة» حتى الآن، ما جعل المسابقات المحلية داخل مصر تبدو أشبه بالدورات الودية، باستثناء المباريات الأفريقية التي يُسمح خلالها بتواجد بضعة آلاف، لتجنب الدخول في صدام مع الكاف الذي يحظر إقامة المباريات بدون جماهير. والمفارقة الحقيقة، أن كل الكوارث التي حدثت في السنوات الأخيرة، هي السبب الرئيسي وراء صعود الفراعنة إلى كأس العالم، فلولا قتل الكرة في ربوع المحروسة بمنع الجماهير من المشاهدة، لما خرج محمد صلاح بهذه السهولة إلى أوروبا، والأمر ذاته لمحمد النني وحجازي ورمضان صبحي وبقية المحترفين الذين ساعدوا كوبر على إنهاء نحسه بخسارة سبع نهائيات في مسيرته التدريبية. وبالنظر إلى تشكيلة المدرب الأرجنتيني سنجد أنها تضم أربعة من الدوري الأغلى والأشهر عالميا، وهذا لم يحدث أبدا طوال فترة ازدهار الكرة على المستوى المحلي، نعم ظهر محترفون في بداية الألفية، لكن لم يصل أحد لمستوى تشلسي وروما وآرسنال وستوك وليفربول ووست بروميتش ألبيون، فقط ميدو خاض تجربة لا بأس بها في البريميرليغ، أما حسام غالي وفتحي وإبراهيم سعيد فلم يتركوا بصمة واضحة، والشيء الواضح جدا أن احتكاك المحترفين الحاليين واكتسابهم شخصية وعقلية اللاعب الأوروبي الناضج، سهلت المسافات بينهم وبين كوبر، الذي تعامل مع هذه العقليات، ويُفضلهم على اللاعبين المحليين… كما فعل وفاز بالرهان لأول مرة في تاريخه كمدرب.

عادل منصور