قانون الأحوال الشخصية في تونس بين التداعيات ورهانات المرحلة

32 مشاهدات اترك تعليق

من المهمّ جدّا في عالمنا العربي الاهتمام بمستوى عيش الإنسان ما بالك بحفظ كرامته والدّفع نحو الارتقاء بالذات الإنسانية حتّى يحصل لها الخلق المُكتسب والمُستفاد. وضمن هذا الإطار تُعدّ مسألة حقوق الإنسان من مرتكزات الاهتمام الدّولي الذي اتّضحت ملامحه بتاريخ 10 كانون الأول/ديسمبر 1948 حيث صدر عن منظمة الأمم المتّحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تلاه صدور العهد الدولي الخاصّ بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وقد تمّت المصادقة عليهما في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 1968. ورغم أنّ مثل هذه المواثيق لا تكتسب قيمة النصّ القانوني الملزم أو صبغة الاتّفاقية الدولية فإنّها أصبحت تاريخيا ووثائقيا أكثر إلزامية من النصوص القانونية ذاتها نظرا لانخراط أغلب دول العالم في مساراتها ناهيك عن الاحراجات التي تحيط بالدّول التي تتردّد في الانضمام لمسار النهوض بحقوق الإنسان وضمان حرّياته.
ولمّا كانت المرأة تاريخيّا أقلّ حظوظا في الحصول على أدنى حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وذلك ثابت في تاريخ مختلف الجماعات البشرية، فإنّ ذلك مبرّر كاف للاهتمام بحقوقها وحرياتها في السياقات المعاصرة، فقد حرمت القيود العائلية والاجتماعية المرأة من مجمل حقوقها، وكان يُنظر إليها في المدنيات القديمة مثلما يُنظر للعبيد، اضافة إلى أنّها لا تمتلك الحق في المشاركة في الفضاءات العامّة اجتماعية كانت أو سياسية، حصل ذلك في الهند واليابان واليونان قديما وغيرها من المجتمعات الغربية، كما حصل في تاريخ العرب أيام الجاهلية، وما ذكرها في القرآن إلّا انتشالا لتلك الموؤودة التي قُتلت بغير ذنب واستعبدت بلا مبرّر، وقد جاء الإسلام ليُغيّر معيار ترتيب البشر نحو العلم والتقوى عوض الجنس واللون والاعتبارات الاجتماعية المختلفة.
ذاك شيء من فهم يدفع بنا لتثمين ما قامت به تونس التي صادقت في 12 تموز/يوليو 1985 على اتّفاقية الأمم المتّحدة المؤرخة في 18 كانون الأول/ديسمبر 1979 والمتعلّقة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة وهي التي تهدف إلى إزالة كلّ أشكال التفرقة بين المرأة والرجل، وتقريبا تُعدّ تونس البلد العربي الوحيد الذي صادق على جلّ الاتّفاقيات التي تهدف إلى ازالة جميع أشكال التمييز ضد المرأة. ويعدّ ذلك تتويجا لمجلّة الأحوال الشخصية التي صدرت في 13 آب/أغسطس 1956 بعد شهرين من استقلال البلاد، ومثّلت ثورة على السّائد حينها لتضمّنها أفكارا هامّة وجريئة جمعت بين المنظومة الفقهية الإسلامية والأفكار الاصلاحية التي دافع عنها علماء اصلاحيون تونسيون أبرزهم الطاهر الحدّاد وقتها.
وتجدر الإشارة إلى أنّ مجلة الأحوال الشخصية اقتبست الكثير من مجلة الأحكام الشرعية التي تكفّل العلّامة محمد العزيز جعيط بتأليفها سنة 1948 ولذلك فيها ما فيها من تأصيل فقهي نالت به رضا الكثيرين وان اعتبرها البعض لائكية علمانية اقتدت بقانون الأحوال الشخصية في فرنسا. ويبدو أنّ قانون الأحوال الشخصية ما زال إلى الآن محلّ ردود بين مؤيّد ومناهض وان كانت أغلب الأحزاب السياسية الراغبة في الحكم تعتبرها خطّا أحمر لا يجوز المساس به بما في ذلك الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية وأبرزها حركة النهضة التي أمسكت ببعض خيوط السلطة وخاضت مع الخائضين. ومن المواضيع التي أثارت الجدل في تونس مسألة زواج المرأة المسلمة من غير المسلم، وللتّذكير فقد استقرّ فقه القضاء التونسي منذ أن صادقت تونس على اتّفاقية نيويورك المؤرخة في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1967 والتي أكّدت مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في ما يتعلّق باختيار القرين دون تمييز بسبب العنصر أو الجنس أو الدين، على أنّ هذه الاتّفاقية لا يمكن أن يتمّ من خلالها خرق الفصل الأوّل من الدستور التونسي الذي يؤكّد الهوية الإسلامية للبلاد وبالتالي اعتبار زواج المسلمة بغير المسلم باطلا لا عمل عليه. ويبدو أنّ ما قامت به رئاسة الجمهورية قبل أيّام قد تجاوز كلّ ذلك وألغى بشكل عملي أحكام منشور وزير العدل المؤرخ في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 1973 وكذلك المنشور الصادر عن الوزير الأوّل في 19 تشرين الأول/أكتوبر 1973 واللذان حجّرا ابرام عقود زواج التونسيات المسلمات بغير المسلمين إلّا إذا وقع الادلاء بما يُثبت اعتناق المرشّح للزواج الدين الإسلامي. وقد أثار قرار رئاسة الجمهورية ردود فعل بعض رجال الدين وأكّد جلّهم بُطلان ذلك، في المقابل يُعدّ صمت دار الافتاء تصديقا على هذا القرار وهي التي جاهرت سابقا بإيجابية مقترح رئيس الدولة في ما يخصّ المساواة في الميراث، أمّا موقف النهضة الإسلامية فاعتبر أنّ مناقشة المساواة في الميراث بين الجنسين تحتاج إلى تدرّج والموضوع بحاجة إلى حوار مجتمعي وأنّ النهضة ستتعامل سياسيا مع المبادرة التي قدّمها رئيس الدولة. وبذلك لم تبد الحركة رفضا صريحا لهذا المقترح تماما مثلما هو شأن مسألة منع تعدّد الزوجات التي اعتبرتها أمرا مباحا واستثنائيا وليست فريضة، وللمشرّع أي من هو في السلطة أن يرى الغرض الاصلاحي منها بتطبيقها أو منعها.
ولمّا كان الدستور يعدّ أعلى النصوص القانونية وأكثرها قيمة ضمن سلّم الترتيب، فقد تحفّظت في حينها الدولة التونسية على بعض مواد الاتفاقية المتعلّقة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وخاصة منها تلك الأحكام التي تخالف هوية الدولة المحدّدة في الفصل الأول من الدستور، وبالتالي فإنّ احترام مبادئ التشريع الإسلامية المتعلّقة بالميراث والزواج من ثوابت الجمهورية التونسية وإثارة هذه النقاط بالتحديد من قبل الباجي قائد السبسي عدّها كثيرون اقتداء بالخطوات الجريئة للرئيس الراحل الحبيب بورقيبة إن لم تكن مندرجة في خانة العمل السياسي والجهد الدعائي واكتساب أكبر قدر من الشعبية الجماهيرية خاصة في صفوف المرأة، وهي التي ساهمت كما يعلم الجميع في اكتساح قائد السبسي للمنافسة الانتخابية في الرئاسيات الماضية، ويبدو أنّ الرجل ما زال يرغب في مواصلة العمل السياسي بجهد يماثل اعتقاده الخروج من الباب الكبير وترك بصمته التاريخية حال انتهاء حضوره السياسي ضمن منظومة الحكم.
عملت تونس بشكل فعّال في تكريس مبدأ المساواة بين الجنسين وتجاوزت خطواتها الجريئة ما حقّقته جل الدول العربية في هذا المجال، وقد حرصت في تحويل المبادئ العامة والمجرّدة ذات الصبغة التوجيهية لمختلف تلك الاتّفاقيات إلى قوانين واقعية ملموسة ضمن التشريعات على مستوى الأسرة أو المجتمع وقواعده المهنية. واجمالا حصلت المرأة التونسية على حقوق مساوية لحقوق الرجل في ابرام العقود وإدارة الممتلكات وفي بعث المشاريع الاقتصادية ومباشرة المهن التجارية وامتلكت أهلية قانونية مماثلة لأهلية الرجل، وعزّزت تونس انخراطها في منظومة حقوق الإنسان بمصادقتها على الاتفاقية الأممية لحقوق الطفل سنة 1992 وتُوّج ذلك بإصدار مجلة حقوق الطفل في تشرين الثاني/نوفمبر 1995.
يبقى السؤال، هل أنّ إثارة قضايا المرأة من جهة حقوقها وحرّياتها في هذه المرحلة بالذات انخراط في مسار حقوق الإنسان أم أنّ المسألة لا تتعدّى كونها شكلا من أشكال التنافس الانتخابي؟ من جهة أخرى يبدو أنّ النخب الحداثية وغيرها لم تقدّم نقدا جدّيا لمحتوى هذه المجلّة ومدى فاعليتها في واقع المجتمع التونسي اليوم بعد مرور 61 سنة على اصدار قانون الأحوال الشخصية من جهة الخلل الصّارخ ضمن محتواها الذي لم يُحرّم صراحة زواج المحارم اضافة إلى إقراره حق الزوج في تطليق زوجته العاقر عوض الاحتفاظ بها، وبالنظر إلى المشاكل الاجتماعية الموجودة والتي تحتلّ فيها تونس المراتب الأولى عربيا خاصة في نسبة العنوسة ونسبة الأمهات العازبات ونسبة الاجهاض، تنضاف إليها مشكلة التفكّك الأسري وتزايد تعاطي المخدّرات وتفاقم الأمراض النفسية ونسبة الاحباط والتعاسة المتقدمة وهو ما تقرّ به احصائيات رسمية صادرة عن وزارة الصحة وعن الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري وعن منظمات مستقلّة.
يمثّل قانون الأحوال الشخصية ثورة حقيقية ضمن مسار المكتسبات التي حصّلها المجتمع التونسي منذ الاستقلال ورغم ظهور دعوات تطالب بالتراجع عن بعض فصوله لعلّ أهمّها منع تعدّد الزوجات معتبرين أنّ الاجتهاد يكون في النصوص الظنية وليس القطعية التي لا خلاف فيها، فإنّ كثيرين يطالبون بتدعيم هذه المكاسب تثبيتا للأسرة المتماسكة ولمبدأ الشراكة العائلية. ولكنّ الأهمّ في كل ذلك أنّ قانون الأحوال الشخصية يحتاج إلى مراجعة وتقييم واسع كي يناسب روح العصر وواقع المجتمع وآفاقه الاستشرافية.

لطفي العبيدي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *