تسرب عدوى «المساواة» من تونس إلى جيرانها العرب: المستحيل الممكن!

38 مشاهدات اترك تعليق

باستثناء موجة الردود والتعليقات التي اكتسحت على مدى ما يقرب الاسبوع مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية بدرجة أقل، لم يبد التونسيون أي مظهر من مظاهر الاهتمام الواسع والمستمر بفحوى خطاب الرئيس الباجي قائد السبسي منتصف اب/اغسطس الماضي في مناسبة الذكرى الحادية والستين لإقرار مدونة الأحوال الشخصية أو صدر عنهم ما يدل على انهم ينظرون لمقترحاته في الخطاب على انها بالفعل حدث مفصلي جدير أن يؤثر على حياتهم بالسلب أو بالإيجاب أو يقلب حالهم رأسا على عقب. كان الأمر تقريبا شبه عادي رغم كل الضجة التي اثيرت في أكثر من عاصمة عربية وحتى غير عربية، ورغم كل ما قاله الكثيرون ومن بينهم صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية من ان الخطاب كان بمثابة «القنبلة ذات الوزن الثقيل التي القيت في تونس». لقد شغل الموضوع جزءا من أحاديث المقاهي وحضر في النقاشات اليومية لمعظم الناس، ولكن ذلك لم يستغرق سوى وقت قصير ومحدود تلاشى بعده كل تركيز أو اهتمام بالمسألة.
صحيح ان معظم التونسيين فوجئوا وحتى صدموا حين سمعوا رئيسهم يقول يومها ان «موضوع الإرث هو من أمور البشر التي تركها الله سبحانه وتعالى ورسوله الأكرم لاجتهاد العباد ونحن اجتهدنا لذلك وجب الحديث في المساواة بين الرجل والمرأة بل واقراره، إذ ان مشروعية المساواة ثابتة دينيا ودستوريا…» ثم يضيف «ونحن مقتنعون ان العقل القانوني التونسي سيجد الصيغ الملائمة والتي لا تتعارض لا مع الدين ومقاصده ولا مع الدستور ومبادئه وتضاف لبنة أساسية في اتجاه المساواة الكاملة. فقد كانت قضية المساواة في الإرث بالذات هي المسألة الوحيدة تقريبا التي لم يجرؤ الرئيس الراحل بورقيبة على الخوض فيها عند اقرار مدونة الأحوال الشخصية في العام الأول للاستقلال لوجود نص قرآني واضح وقطعي لا يحمل التأويل.
وصحيح أيضا انهم فوجئوا وصدموا بدرجة أقل حين سمعوه يدعو وزير العدل لإلغاء منشور وزاري من بين عدة مناشير أخرى تمنع ابرام عقود زواج التونسيات بغير المسلمين، فقد كانوا يعرفون ان قسما واسعا من بناتهن كن يجدن دائما طرقا للالتفاف على ذلك الحظر. ولكن كل ذلك كان بالنسبة لهم من تحصيل الحاصل. فهم يعرفون جيدا ان بلدهم شق قبل أكثر من ستين عاما طريقا مختلفا عن باقي الدول العربية والإسلامية وانه صار صعبا ان لم يكن مستحيلا عليه التراجع والعودة إلى الوراء أو حتى التوقف فقط عند الحدود والأشواط التي قطعها. وما ترسخ عند قسم واسع من نخبهم هو انه بفضل كل تلك التشريعات والحقوق التي منحتها الدولة للمرأة التونسية فانه لم يعد هناك مجال لان تقارن تونس بأي دولة عربية أخرى. وربما كان ما كتبته جامعية تونسية معروفة على صفحتها الشخصية على فيسبوك ردا على موقف بعض شيوخ الأزهر من مقترح قائد السبسي حول المساواة في الإرث صدى لما ظل يتردد في الأوساط الجامعية والإعلامية منذ عهد بورقيبة. لقد كتبت الفة يوسف تقول «عندما يشتمنا الأعراب ومؤسساتهم القروسطية الخاربة أتأكد اننا على الطريق الصحيح. ألغينا الرق فاحتجوا ثم وافقوا. منحنا حق الطلاق للمرأة فكابروا ثم وجدوا حلولا كالخلع وسواه، نظمنا النسل فانتقدونا ثم اتخذونا نموذجا في هذا، منعنا تعدد الزوجات فرفضوا ثم نظموه نسبيا بضرورة إعلام الزوجة الأولى وشروط أخرى حتى أصبح التعدد استثناء… تونس تفكر بدلا منكم فاكتفوا بالشتم في انتظار ان تتعلموا». ويبدو ان واحدا من بين الأبعاد التي كشفتها أفكار الرئيس التونسي حول المساواة في الإرث هو عمق المسافة الفاصلة بين تونس وبين باقي جيرانها العرب في نظرتهم لقضايا المرأة ودورها في بناء المجتمع والدولة. وهو ما يجعل البعض يتساءل عما إذا كان البلد المتوسطي والعربي الصغير الذي قاد قبل سبع سنوات من الآن قاطرة الاصلاحات السياسية في المنطقة جديرا بقيادة التحولات الاجتماعية المقبلة فيها. فلطالما سمعنا عند انطلاق شرارة تلك الثورات من يقول أن «ليبيا ليست تونس» ثم «مصر ليست تونس» و»اليمن وسوريا ليستا تونس» لنكتشف بعدها ان الحرية لم تكن طلبا تونسيا بحتا بقدر ما كانت حاجة عابرة للحدود و حتى للقارات.
ولئن كان من الصعب على أي أحد حينها ان يتوقع ان تنتشر العدوى بمثل تلك السرعة وتنتقل مطالب محتجين في بلدات نائية بتونس لتعم قسما واسعا من الأقطار العربية فانه يبدو الآن من الصعب أيضا ان يصدق الكثيرون أن ما أقدم عليه التونسيون قبل أكثر من ستين عاما وما يفكرون ويخططون للقيام به مستقبلا لأجل الوصول لتحقيق ما ينص عليه دستورهم من تأكيد على المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وأمام القانون من غير تمييز، يمكن ان يكون نموذجا صالحا للتطبيق في باقي الدول العربية الأخرى. ان الحجة التي تظهر باستمرار هي ان تلك الدول ليست على الدرجة نفسها من الوعي والقدرة على تقبل تعديلات جذرية على بناها الاجتماعية والتشريعية خصوصا تلك التي تمس عن قرب جوانب محددة في مجالات حرية الأفراد والعلاقة بين الجنسين وتقاسم الأدوار بينهما وحقوق المرأة والأسرة بشكل أدق. وما من شك في ان ظروفا وعوامل تاريخية وحتى سياسية هي التي فرضت وجود ذلك التفاوت بين ما يعرف بالدول المحافظة والدول المنفتحة. وبغض النظر عن تلك الاعتبارات فان الأثر الذي يتوقع ان تتركه صدمة الخطاب التونسي سيشمل المحافظين والمنفتحين على حد سواء من حيث انه سيثير داخل بلدانهم نقاط استفهام عديدة حول موقع ودور المؤسسات الدينية الرسمية كدور الإفتاء والمجالس العلمية الإسلامية وهو الأمر الذي حصل في تونس عندما ظهر جليا ان تلاعب مفتي البلاد بتأويل النصوص الدينية سمح له بالتصريح بمنع اقرار المساواة التامة في الإرث قبل عام ثم جعله يسارع لمباركتها مباشرة بعد كلمة الرئيس. والسؤال الذي سيطرح نفسه بقوة هنا هو هل ان اهتزاز ثقة الناس في الأزهر وفي علماء البلاط السعودي مثلا بفعل تذبذب مواقفهم وتغير فتواهم بشكل حربائي لافت وفقا للإملاءات السياسية سيسمح في مرحلة ما بحصول اختراقات مهمة وجوهرية في المنظومة التشريعية التي تحكم الأحوال الشخصية في مصر والسعودية في اتجاه ايجاد نوع من التنفيس الاجتماعي أكثر أثرا وعمقا مما أقدمت عليه السعودية قبل أيام بإعلانها الترخيص للنساء بقيادة السيارات وذلك تحسبا من تزايد الضغوط وربما الاحتجاجات الشعبية مستقبلا.
ان عقدة الحل والربط هنا هي ان تحديد موضع الدين في المجتمع كان ولا يزال مسألة سيادية بيد السياسيين فقط. فلئن أقدم بورقيبة قبل ستة عقود من الآن على كل تلك الخطوات غير المسبوقة عربيا فلانه أزاح بالمقابل أي وجود فعلي للإسلام في المعاملات والعلاقات الاجتماعية رغم انه حرص نظريا على نفي ذلك بالتأكيد على ان ما فعله كان اجتهادا في الدين لا ضده. ومثلما حصل في ليبيا ومصر واليمن وسوريا حين لم يكن انتقال شرارة المطالب السياسية المنادية برحيل الحكام ووصولها من تونس علامة على ان تلك البلدان سارت أو ستسير بالضرورة على منوالها، فان نافذة النقاش التي فتحتها مقترحات الرئيس التونسي لن تسمح بهبوب رياح التغيير بشكل فوري حتى داخل الدول المنفتحة نسبيا كالمغرب حيث تتصاعد دعوات الحركات النسوية للاقتداء بالتجربة التونسية وحتى المطالبة بتخطيها بالإسراع بسن قانون المساواة في الإرث ولكنها ستساعد حتما في ارساء نقاش مجتمعي معمق حول وضع الحريات وحول مسائل أخرى أيضا كعلاقة الدين بالدولة. وسيكون المحدد الأساسي في كل ذلك هو مدى استجابة السلطات في تلك الدول لتطلعات شعوبها في الحصول على كامل حقوقها المدنية والإنسانية من غير اختزالها فقط في مسألة المساواة بين الجنسين أو في منح النساء بعض الحقوق لكسب أصواتهن أو لطمس واقع الحريات العامة فيها. فيما ستلعب النخب الدينية والجامعية والإعلامية والثقافية دور الدافع والمحرك لتلك العملية. وعلى عكس ما حصل في الثورات حيث انتقل المد الشعبي الغاضب من تونس لباقي شعوب الإقليم فان تلك النخب بالذات هي التي ستكون معنية الآن وبالدرجة الأولى بالتأثيرات المقبلة من تونس.
لكن النجاح والفشل سيظل مرتبطا نسبيا بقدرة شعوبها على الحسم النهائي أما لصالح تلك التغييرات أو ضدها، لأنها هي التي ستحدد في النهاية ما إذا كانت قادرة على تقبل عدوى ما قد يوصف بالمستحيل الممكن أم لا بحسب ما تراه مناسبا لطبيعتها وحاجاتها وظروفها قبل أي اعتبار آخر.

نزار بولحية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *