تونس: قراءة فيما وراء مقترح رئيس الدولة

27 مشاهدات اترك تعليق

 

Résultat de recherche d'images pour "‫تونس: قراءة فيما وراء مقترح رئيس الدولة‬‎"

“المباركون” يرون أن من شأن مقترح الرئيس أن يشكل في حال إقراره لبنة تنضاف إلى مكاسب المرأة تعزيزا لحقها في المساواة مع الرجل، ويرمون المعترضين عليه بالجمود والتخلف وعدم القدرة على رؤية العالم من حولهم فيما يعتبر خصومهم مثل هذه الدعوات استخفافا بالمعلوم من الدين بالضرورة ، غايتها الخفية والظاهرة التنصل من “شرع الله” بالجملة والتفصيل، مستندين في ذلك إلى “حرفية النص” وما استقرت عليه المدونة الفقهية على مدى مئات السنين.

ما الذي يمكن أن يخرج به الملاحظ من هذا الجدال الصاخب؟

إنّ أبرز ظاهرة تبدو واضحة للعيان في خضمّ هذه القراءات المتنافرة للحدث هي هاتيك المتمثلة في انقسام الرأي العام التونسي على نفسه انقساما حادا باتا حيال ما له علاقة بمفهوم الهوية وبنمط المجتمع المراد إرساؤه، وانطلاقا من ذلك يخلص المتأمل بإمعان في المشهد إلى أن “الإشكالية” أبعد مدى في الواقع من حصرها في البادرة الرئاسية وما نجم عنها من ردود فعل متباينة ومتناقضة ، فما ذلك إلا احد تجليات “الإشكالية” لا أكثر، إنما العقدة المعقدة التي ما انفكت تقضّ مضاجعنا نحن العرب مذ لاحت بوادر “اليقظة العربية الحديثة” هي في هذا الصراع الفائر الدائر بين “العقل الديني” المحافظ و “العقل الوضعي” المتحرر دون أن نفلح إلى اليوم في تجسير الهوّة السحيقة الفاصلة بينهما ، علما وان حالات التصادم هذه ستتوالى في الظهور إلى حين تتهيأ العوامل والظروف المناسبة لإحداث            “قطيعتنا الابستمولوجية” إن قدّر لهذه الأخيرة أن تحدث يوما ما.

المجتمع التونسي، كما المجتمعات العربية الأخرى ، يخترقه نزاع حاد ومصيري بين دعاة الخروج من عباءة الموروث وضرورة تقمّص العصر وبين من تعلق نظرهم باللحظة الوضيئة من تاريخنا لا يريمونها ، يستدعونها على أنها الحل السحري لمختلف قضايا الحاضر والمستقبل… بين القائلين بـــ”تاريخية النص” وبين المؤمنين بأزليته و”عدم زمنيّته”. ما يعني أننا مجتمعان في الواقع لا مجتمع واحد.

هذا الصراع الذي فرضته سنّة التطور هو الذي أجّل أكثر من سواه حلم شعوبنا بانتزاع مكانها ومكانتها بين الشعوب المنتجة للحضارة من أجل أن تجعل حدّا لعيشها عالة على الآخرين. فمعركتنا إذن ، بل قل “أم المعارك” هي قبل أن تكون سياسية أو اقتصادية على خطر هذين العاملين ثقافية معرفية بالأساس ، وإنه لمن السذاجة أن نطمع في كسب رهان التقدم والحداثة دون “الثورة على أنفسنا” ، ثورة تطيح بما علق بوعينا من إرث معرفيّ معطوب حال دون تعاطينا بعقلانية مع الظواهر والأشياء، دون الحاجة بالطبع إلى إعدام ماضينا برمته والخروج من جلدنا فنتحول تبعا لذلك إلى “مسخ” كما يدعو إلى شيء كهذا بعض الحداثويين المتسرعين السطحيين الذين ينظرون إلى الحداثة كما لو إنها سلعة تستجلب فنغدو في طرفة عين على شاكلة من سبقونا إلى الحداثة الذين لم يبلغوا ما بلغوه إلا بعد دفع الثمن غاليا من أجله، علما وأن الوزر الأكبر في هذا الخصوص يظل محمولا على عاتق كفاءاتنا الفكرية التي أودّ أن أهمس في آذانها بالمناسبة بأن عليها أن تسمو عن المماحاكات الاديولوجية والتجاذبات السياسية فتتركها لمن هم “على قدها” لتتوجه بدلا من ذلك نحو “المعركة  المفصلية التي وجب أن تدور رحاها داخل الأدمغة ” على حد تعبير احدهم، دون ذلك ، و”في حال ظللنا على ما نحن عليه من التخلف فسيأتي السياح يوم كي يتفرجوا علينا بدلا من الآثار ” على رأي محفوظ .

ختاما لعلّ القارئ الكريم قد لاحظ أني لم أتطرق إلى صاحب المبادرة والغاية التي يبدو انه يرمي إليها من خلال إطلاقه لمقترحه وما ذلك إلا لاعتقادي أن جنابه ليس جادا على الإطلاق فيما بادر إليه، ولا هو أقدم على ذلك بدافع من حرصه على تعزيز مكاسب المرأة التونسية، إذ هو يعلم أكثر من سواه أن مقترحه ، بغض النظر عن مدى وجاهته ، لا يمكن له أن يمرّ قبل أن تتهيّأ العوامل المساعدة على إنضاجه وتمريره .

بالمختصر المفيد هي “ورقة” شاء صاحبها أن يلعبها لغايات سياسوية محضة لا تخفى إلا عن المغفلات والمغفلينّ، وهنا تحضرني وبقوة مقولة الكاتب الأمريكي (جيمس فريمان) ونصها : “إن الفرق بين السياسي ورجل الدولة هو أن الأول يفكر في الانتخابات فيما يفكر الثاني في الجيل القادم”.

محمد المختار القلالــي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *