ماذا حدث يا شيخ؟

39 مشاهدات

 ماذا حدث يا شيخ؟

بدون مقدمات ولا مؤشرات، توجه رئيس حركة النهضة في تونس، الشيخ راشد الغنوشي، بخطاب صريح إلى رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، وطالبه بأن يختار أحد السيناريوهين: الإعلان عن عدم الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، أو أن يستقيل من الحكومة ويترك المجال لغيره.
كان تصريح الغنوشي مفاجئا للجميع، بمن في ذلك كوادر رئيسية في “النهضة”، وهو ما دفع مجلس الشورى إلى الالتئام في جلسة استثنائية لدرس التداعيات، والخروج بموقف أغلبي مساند لرئيس الحركة.
ما الذي حصل للغنوشي، حتى يندفع في اتجاه غير آمن، وأن يثير زوبعةً لم يجد خلالها من يسنده إلا نفرا قليلا؟ لقد وفر بما قاله فرصةً لخصومه الذين هاجموه من كل حدب وصوب، وسارعوا نحو إثارة الملفات، القديمة منها والجديدة. حتى ربطة العنق التي وضعها على صدره لأول مرة منذ قيادته حركة النهضة تبخرّت آثارها في غمار الضجيج الذي تلا هذا التصريح، بل واتخذها بعضهم مناسبة للتهجّم الشخصي عليه.
لم يكن هناك مبرّر ظاهر من شأنه أن يعلل حديثه، فيوسف الشاهد، بقطع النظر عن تقييم أدائه، لم يصدر عنه ما يفيد بأنه شرع فعلا في الاستعداد لخوض سباق الرئاسة. ثم لا يوجد مانع سياسي أو دستوري أو أخلاقي يحرمه من حقه في أن يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية. وفي المقابل، لا يملك الغنوشي أي صلاحيةٍ لمنع الرجل من ذلك إن أراد.
هناك أمران يمكنهما تفسير ما وقع. أحدهما ذكره الغنوشي في تصريحه، عندما أشار إلى خطورة الأوضاع الاقتصادية، وهو ما يقتضي من رئيس الحكومة التركيز على المشكلات القائمة، وعدم الانشغال بسباق لم يبدأ بعد. الثاني يتعلق بتعدّد الخلافات الصامتة بين الشاهد و”النهضة”، وعدم استجابته لملاحظات ومطالب منها.
على الرغم من وجاهة الملاحظة الأولى، في ظل المخاض الصعب الذي تشهده تونس الآن، إلا أن الغنوشي لم يكتف بالنصيحة، وإنما وضع الشاهد أمام مقايضة صعبة، وبذلك أخطأ التوقيت والأسلوب. وأسوأ التأويلات التي ذهب إليها بعضهم قولهم أن الغنوشي أراد، بتصريحه، مساعدة صديقه وحليفه الباجي قايد السبسي الذي أوحت بعض تصريحات كوادر عليا في حزب نداء تونس بأن ترشحه مرة أخرى لرئاسة الجمهورية وارد. لا تزال هذه الفرضية غير مؤكدة، غير أنها جعلت بعضهم يقول إن الغنوشي قبل بأن يقدّم خدمة لرئيس الدولة، تتمثل في مساعدته على التخلص من منافس محتمل، بدأ يحظى بدعم خارجي، بدلالة زياراته واشنطن أخيرا، إلى جانب شعبيته القابلة للتوسع، إذا قلّت أخطاؤه وازدادت جرأته. هذا التأويل مسيء لصورة الغنوشي، لأنه يحوله إلى مجرد أداة في معركةٍ بالوكالة على قصر قرطاج.
لا يقل التأويل الثاني إيلاما لرئيس حركة النهضة الذي كثر القول عن احتمال خوضه الانتخابات الرئاسية المقبلة. وعلى الرغم من أن هذه الفرضية لا تزال أيضا غير مؤكدة، إلا أن من شأن إثارتها في السياق الراهن أن تعمق خلط الأوراق، وتغذّي صورة رائجة عن “إسلام سياسي” متعطش للهيمنة والتحكّم في مؤسسات الدولة.
تجد “النهضة” نفسها الآن مدعوةً لخوض حملة سياسية للتبرير والإقناع. لقد أقامت تصريحات الغنوشي جدارا سميكا من الشك بينه وبين الشاهد، وهذا يعني أن الائتلاف الحاكم أصبح ملغما، على الرغم من محاولات احتواء المشهد.
بمنطق الحسابات، هناك رابحان، أولهما يوسف الشاهد الذي اكتسب حاليا قدرا من التعاطف في صفوف خصوم “النهضة”، لكن هذا الربح يمكن أن يكون مؤقتا، إذا لم يعرف كيف يستفيد منه، وأن يحرص على عدم توسيع المواجهة مع حركة النهضة، فالطموح السياسي وحده لا يكفي، إذا لم يدعمه ميزان قوى مناسب، خصوصا أن قيادة حزبه غير مطمئنة له، وتنظر بقلق لرغبته في الاستقلال عنها.
المستفيد الرئيسي من هذه الورطة هو السبسي الذي دعا الشاهد إلى جلسةٍ ودية، وأشعره بأن من مصلحته البقاء وفيا لمن اختاره لهذا المنصب، وألا يسرع الخطى، إذ لكل أجلٍ كتاب.
صلاح الدين الجورشي