تونس: إعلام يتبنى لقيط الكلام

37 مشاهدات اترك تعليق

 Résultat de recherche d'images pour "‫تونس: إعلام‬‎"

أينما اتجهت في أي من ضواحي العاصمة التونسية المصنفة راقية، أو ما أشبه ذلك من التصنيفات، فإنك لا تكاد تظفر بمقهى أو مطعم أو محل تجاري يحمل اسما عربيا. أما إذا ذهب بك الظن إلى أن هذه المحال تحمل اسما فرنسيا، فستكون مخطئا! ذلك أن معظمها، إن لم يكن جميعها، يحمل اسما انكليزيا، أو بالأحرى أمريكيا، حيث أن الإحالات الكثيرة إلى أسماء مثل وول ستريت والتفاحة الكبرى (نيويورك) وميامي، الخ… يؤكد أن المخيال المهيمن على القوم مخيال أمريكي. ولا أظن أنه يمكن تفسير هجنة هذه الأسماء بإرغامات المنطق التجاري، إذ إن التجار التونسيين الذين بقوا على مدى القرون يطلقون على محالهم أسماء عربية ليسوا أقل حذقا لفن التجارة من هذا الجيل الجديد من التجار، كما أن معظم المحال التجارية في بقية أنحاء البلاد لا تزال تحمل أسماء عربية، ولا يبدو أن استخدامها لغة أهل البلاد قد أذهب عنها الزبائن.
وإنما البادي أن الأمر يتعلق بتقليعة أو موضة انخرط فيها الجميع دون بالغ تفكير سوى الظن بأن هذه الأسماء الأمريكية الجرس، الحداثوية الشكل، تستهوي الشباب وتجتذب الزبائن المنفتحين على العالم الغربي أو المعجبين به. وقد أخبرني صديق أن سلطات النظام السابق كانت تشترط على المحال التجارية أن تكون لافتة أسمائها بالعربية وأن يرسم الاسم الأجنبي تحت الاسم العربي ولكن بخط أصغر. وربما لم يكن قانون «أضعف الإيمان» هذا ساري المفعول قبلا. إلا أن الأدهى أنه لم يعد اليوم حتى واردا، ولو نظريا. لماذا؟ لأنه يبدو أن ليس هناك أدنى اهتمام بالمسألة لا شعبيا ولا رسميا. إذ لا نعلم أنه جرى أي نقاش جمهوري حول الخطاب العمومي بأي لغة يكون، وحول علاقة هذه اللغة بالهوية الثقافية وبالشخصية الوطنية. كل يتحدث كما اتفق. وكل يتحدث بأي لغة أو لهجة سنحت. وكأن لا أحد يدرك مدى خطورة هذا الانسلاخ من لغة البلاد والأجداد لهاثا خلف نوع غير مسبوق من لقيط الكلام.
أما الدليل القاطع على أن المجتمع في تونس المعاصرة قد فقد الوعي اللغوي وأن الدولة ليست لديها سياسة لغوية فهو ما صار يتخبط فيه الإعلام الإذاعي والتلفزيوني من رداءة تعبيرية فاضحة. إذ لم يعد بإمكانك اليوم أن تسمع على معظم الإذاعات والتلفزيونات الخاصة أحدا من المذيعين يقول جملتين بالعامية التونسية دون أن يقحم فيهما كلمتين أو عبارتين فرنسيتين. بلا أدنى سبب. وما نقصده بالسبب هو أن يتضمن الحديث مفهوما أو مصطلحا أو اكتشافا أو اختراعا مازالت اللغة العربية لم تجد معادلا لغويا لاسمه الأجنبي. أما أن يقول المذيع أشياء عادية جدا مثل «بالنسبة للوقت الراهن»، و»لم لا؟» و”في أقرب الآجال”، الخ ويوهم نفسه أنه لا يستطيع أن يقولها بالعربية أو بالعامية، أو أن من لوازم التزيين والتجميل أن يقولها بالفرنسية، فهذا من الصبيانيات اللغوية التي لا تليق حتى بالمراهقين.
وقد سبق لأبي حيان التوحيدي أن تحدث عن «التفيهق» اللغوي، أي البحث عن الألفاظ الصعبة والثقيلة لإيهام المستمع بغزارة العلم. ولكنه تفيهق وتعالم داخل لغة واحدة. أما الاتكاء الكسول على لغة أجنبية لقول أشياء أقل من عادية، فلا تفسير له إلا من حيث علم النفس اللغوي. وعلى حد علمي فقد أنجز أستاذ علم الاجتماع محمود الذوادي قبل سنوات دراسة عن هذا المسلك اللغوي الشاذ لدى بعض التونسيين والتونسيات. ولكن الجديد اليوم هو أن هذا الشذوذ لم يعد، بعد الثورة، يعدّ شذوذا. بل إنه صار مسلكا مكرسا ومعمما في الخطاب الإعلامي على مدار الساعة. أي أن الإعلام قد تبرع منذ بضعة أعوام بإضفاء المقبولية، بل الشرعية، على مسيخ القول ولقيط الكلام.
صحيح أن المشكلة لم تبدأ بالإعلام، بل إنها قائمة في المجتمع أصلا. ولكن بمثلما أنه ليس من واجبات الأمهات والآباء أن يتبنوا لغة أطفالهم بنقائصها وأخطائها، بل إن من واجبهم أن يعلموهم صحيح اللفظ وسليم التعبير، فإنه ليس من واجبات الإعلام أن يعمم نقائص المجتمع وينشر أمراضه بزعم مخاطبة الناس بما يفقهون! وقد صدق رائد سياسة تعريب التعليم في تونس الأستاذ محمد مزالي رحمه الله عندما قال في آخر حواراته الصحافية إن تفاقم الهجانة اللغوية لدى النخبة التونسية ظاهرة محيرة محزنة لأن الارتباك في التعبير هو دليل ارتباك في التفكير.

مالك التريكي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *