عاقيل في زعير

208 مشاهدات

 

18762314_1881247478795535_212460564_n

أخرج هذا المساء، وربما المرة الأخيرة التي ألقي فيها نظرة على جمعة فوكو،،،أسير على شوارعها وأملأ رئتي بهواء قادم من السماء،،أتأمل النحل وهو يطوف حول نافذة منزل غادرته شاعرة في مقتبل العمر بعد صراع مع المرض،،،أحمل في محفظتي مرآة أقابلها مع الخلية حتى أهججها وأسير تحت النافذة ما إذا كان هناك عسل في المكان…

تطرح الغابة المجاورة من رحمها أصوات في عنق الحي الصناعي، والروضة بجانبها تتقيأ رائحة الجثث المنغرسة في جوفها هناك، لا أدري هل هي قادرة على لفظ أنفاسها الأخيرة، وباستطاعتها مقاومة الشيوخ والمسنين…

أقف عند مقهى والدموع تنحدر من أخاديد وجهي النير، والصور تتقاطر واحدة واحدة على سيول الذاكرة، مستحضرا حروف السياب، وهو يترحم عليه أستاذنا البحراوي بشتائم وقذائف داخل حجرة يسودها الحزن والصمت،،،اللهم إنها حسابات بين الأستاذ والتلميذ…

النوافذ مليئة بالرؤوس تلك اللحظة، منها من يقول لك ابق هنا،، ومنها من يأمرك بالذهاب. وحده كمال الغزلاوي من تفضل إلي بقطع من رغيف وكأس شاي بارد، وجلس يحدثني عن أيامه في القرية…نثر كل شيء حتى غرغرت عيناه من شدة الألم، فأمرته بعدم النطق والانصراف نحو منزل “ادريس مول الباتريات”، المنزل الذي تخاصم فيه الحزن والأمل،،، تخرج منه مهندسون وأطباء، وحدهم الشعراء والكتاب الذين أخذهم الحنين إلى أرض سيدي سعيد بن معاشوا، حاملين شكواهم إلى السماء، إلى الغيم، طمعا أن تكون جمهوريتهم التي سيعمرون فيها، تحضن بشرا كباقي الكائنات التي عايشها في قريته…

وقفت في محطة “الطاكسيات” أتطلع إلى تلك الأجساد التي تندفع للصعود إلى السيارة، وقف الكورتي متسائلا: إلى أين ؟؟.

إلى حيث يذهب السائق،،،هكذا أجيب.

أمرني بالصعود إلى السيارة البيضاء ذات العهد الجديد، كما أمر السائق عبد الكريم اللحية بالانطلاق،،، سرنا والأجساد متراصة تلتحم بعضها فوق الكراسي الخلفية، اختلطت الملامح وفاحت رائحة العرق والعطر الفاخر في يوم مشمس وحار،،،نظرت إلى شاب يجلس بجانبي: بلدتنا جريحة، تتنفس وجع المسنات، وترفع أحلامها صوب المدينة لتتسكع بياض الحسناوات الجميلات اللائي محين تاريخ الأجداد، وأعطين للحياة متنفسا أصيلا ومعاصرا. قهقه الشاب ورد قائلا:

المدينة هي الاخرى حصدت أرواح البادية، وأفقدتهم أراضيهم وبهائمهم، حتى التصقت الرائحة بالرائحة وصارت السماء تطرح قطرات بلا لون ولا طعم.

وصلنا إلى المدينة التي تحاول رسم مستقبلها بمرافق وفنادق ومقاه متراصة على شاطئ عين الذئاب الذي تتجر شبه كل العيون، خطفت أنظاري شابة تضع نظارات فوق شعرها الأسود، وكتفين يسعان لفستان أبيض مفتوح على الظهر، تتمايل يمينا وشمالا نحو سيدي عبد الرحمن، تذكرت أن شباب المدينة لا يتحرشون بنسائهم مادام العراء يكشف أجساد الجميع، حتى أحلام الذين لا مغارات يدخلونها عندما يحل الليل زائرا كشوك بهواء المدينة. وعندما تدلت العتمة، صرت أبحث عن مكان يحضنني تلك الليلة، لا أحد أعرفه في هذا العالم غير الكتاب والشعراء الذين سمعت عنهم،،، هم الآخرون بدون مأوى، يقضون الليالي في المسامرات داخل أمكنة بها دخان يحجب الرؤية وكؤوس تتمايل على إيقاعات مارسيل خليفة “…وأنا أمشي وأنا أمشي…”. الكراسي متصالبة،،،جلست على واحد خشبي، أمرت النادل بإحضار كأس متآخيين وجلست أكتب: “العام عام جفاف في كل شيء، السنة عرفت ارتفاعا في نسبة البطالة والأسعار، لا شيء رخيص سوى دواء البرغوت والصراصير،،،وحدهم النساء من يصنعن الابتسامة على وجوهنا ووجوههن أيضا…لحظة سمعت فيها النادل يصفق حيث يأمرني بمغادرة المكان، لتستفحل المتاعب من جديد وتبدأ الفكرة تراودني في الرجوع من حيث أتيت…

مهدي قنديل