موت الإنسان في “باباتور..ماماتو” لميسلون هادي

234 مشاهدات
 
 
 Résultat de recherche d'images pour "‫ميسلون هادي‬‎"
 
  أصبح الإنسان في زمن مابعد الحداثة محاصرا بين اثنين:النظام الرأسمالي والتطور التكنولوجي. وهو ما يهدده بإخماد كل ماله معنى إنساني فيه. من هذا المنطلق كتبت ميسلون هادي مجموعتها الأخيرة”ماماتور باباتور”. إنها قصص موت الإنسان..موته وفناؤه المحتوم تحت غطاء التقدم العلمي والنمو الرأسمالي. هذه الفكرة تستولي على كل قصص المجموعة الإثنتي عشر. موت يأتي بصور متعددة، الموت اللغوي والعاطفي والفني، والأهم موته الانساني الذي يعد وجه أخر لموته الجسدي.   
 موت اللغة:
 
 انعدام اللغة وهبوط الانسانية إلى مستوى ما قبل الحضارة بله ما قبل القدرة على النطق، نجده في قصة:”ماماتور باباتور”. جاء العنوان ممثلا لهذا الموت بصيغة مجهولة تحمل دلالة رمزية عن موت اللغة البشرية: ماما تور بابا تور. فنستمع لهذا اللفظ الغريب على لسان امرأة فنى أسلافها”عندما كان لا يعرف من الكلام إلا ذاك الذي يخترعه الصيادون بضجيجهم والأطفال بنداءاتهم المتكونة من التقاء الشفتين”. وفي قصة “لغة الزمان”. يتم القضاء على اللغات البشرية عن طريق اشعاع يختصر اللغة. وبذلك”يظل الصمت يغلف العالم إلى الأبد”. الصمت نفسه نجده في قصة:”الأكواريوم”. إذ يقف الإنسان بلا حراك أمام حوض أسماك، يترقبه بصمت الأموات.
 
موت العواطف:
  مثلما تختفي مفردات الحب من قاموس اللغة تتجمد العواطف وتتجلبب بلباس المادة كما في قصة”ألم تنس شيئا قبل أن تخرج”. هذا هو السؤال الذي ألقته الزوجة على زوجها لأنه لم يقبلها فيرد عليها معتذرا:”كنت أود ذلك ولكني نسيت طوق العاطفة في معمل الصيانة منذ الصباح. إنه يحتاج إلى إدامة”. وفي قصة “لغة الزمان” تختصر المفردات العاطفية وتتخلص اللغة من الترهل العاطفي حسب رأي العلماء، فهي في نظرهم عبارة عن زوائد لاحاجة لها. “الفضفضة الزائدة والثرثرة الفارغة والكلمات غير الضرورية”.
 
موت الفن والجمال:
 
 كما نجد في هذه المجموعة موت روح الفن لدى الإنسان المعاصر، وتحوله إلى مسخ فاقد للمشاعر الإنسانية. نقرأ في قصة: “ثلاثة أصلهم إنسان” عن رجال مستنسخين بقوا محفوظين في مختبر للاستنساخ البشري: “لم يكونوا قد سمعوا قط معزوفة موسيقية ولا رأوا كلاما في لوح محفوظ ولا شموا رائحة الخبز الطالع توه من النار”. فأصبح الإنسان يرى الجمال بعيون جامدة وقلب ميت. وفي قصة: “الأكواريوم” نجد الإنسان يرقب حياة الأسماك في الحوض السمكي، وفي النهاية نكتشف بأن هذا الإنسان ساكن لا يتحرك. ينظر للجمال بعيون جامدة، تخلو من أي انفعال. هذا السكون إزاء الجمال نلمسه في  قصة: “عطر الوردة” حيث قضى دخان المصانع على روح العصر، وحصر العطر في “القوارير والزجاجات التي يحفظها البشر في داخل البيوت”. وبدلا من تذوق الجمال الحقيقي يصبح القتل جميلا في عيون الناس بنسبية العصر الحديث المتمثلة بحضور أينشتاين في قصة: “نقار الخشب” إذ تؤخذ شخصيات من دول مختلفة بجمال ألوان نقار الخشب، عدى الشاعر العراقي الذي كان “يفكر بأن عشرات ديدان الأرض تموت الآن بين منقاري هذا الطائر الجميل”.
 الموت الجسدي:
 
  الإنسان وما اقترفه بحق نفسه بصنعه حضارة مادية قضت على روحه قبل أن تفني جسده، هذه الفكرة تطالعنا بقوة مع أول قصة في المجموعة: “الهدايا العشر”. نشاهد الموت الحقيقي للإنسان وسقوطه في براثن الحضارة التي حولته إلى وحش قضى على البشرية بشكل شبه كامل. فيخضع بهذه القصة لمحاكمة يقيمها أحفاده المجني عليهم. وهي محاكمة عادلة لطغيان الإنسان وجموحه، وقد جعلت الكاتبة هذه القصة في بداية المجموعة، بيد أنها تنهي المجموعة القصصية بانتقام عادل آخر لكل المظلومين على هذه البسيطة، إنتقام من هذه الحضارة التي رفعت قوم وأذلت آخرين. ففي قصة: ” صيحة الهامة” تنبري الهوام الصغيرة لتنتقم للفقراء المساكين الذي قضت عليهم الأنظمة الرأسمالية، هذه الهوام”تعرف ما هو الصحيح من الخطأ، وتمتلك أضعافا مضاعفة مما نمتلكه نحن من هذا الإحساس بالخطأ”.   
 الموت الإنساني: 
 
  نهاية الكون وتدمير الأرض استخدمته الكاتبة رمزا للموت المعنوي لإنسانية الأنسان، فنجد هذا الفناء للبشرية في قصة: “أنا الدليل..أنا أضيع”. حيث نجد نهاية التاريخ متمثلة بغزو الإنسان للفضاء وبالتالي نجد أن “فكرة (الغضب) هي التي استدعت فكرة(النهاية) لتخليص الكون من هذه الكائنات التي تأكل كثيرا وتثرثر كثيرا وتطلق الكثير من الغازات السامة إلى طبقة الأوزون”. الدمار عينه الذي يفني البشرية نجده في قصص: “الهدايا العشر” و”ماماتور..باباتور” و”فوتو كوبي”و”ثلاثة أصلهم إنسان”. مما يدل على أن الكاتبة ساخطة على حضارة مادية قضت على الروح الحقيقية لدى الإنسان.     
 
يوسف هداي ميس