ما كشفه طيار حماس في تونس

140 مشاهدات

نتيجة بحث الصور عن طيار حماس في تونس

لا حشود كبرى ولا مسؤولون رفيعون ولا حتى صغار ساروا في جنازة المهندس الذي ما تزال السلطات تتحفظ حول ظروف اغتياله.
وعكس ما حصل في تونس قبل ثلاث سنوات من الان، حين قضى رصاص طائش على الوجهين السياسيين المعروفين بلعيد والبراهمي، لم تقم الدنيا وتقعد هذه المرة، ولم تتعطل الحياة بل ظلت تسير بشكل روتيني وعادي في الساعات التي تلت تناقل وسائل الاعلام ظهر الخميس الماضي خبر «مقتل أحد الاشخاص بالرصاص» على بعد امتار قليلة من بيته في مدينة صفاقس بالجنوب. كان الجميع مشغولا بأشياء اخرى. وفيما كان الرئيس يؤدي زيارة قصيرة للجزائر، ويؤكد من عاصمتها أن «أمن تونس من أمن الجزائر وأمن الجزائر من أمن تونس» كانت الاستعدادات لاحتفال بروتوكولي باهت بالذكرى السادسة لاحتراق محمد البوعزيزي في بلدة سيدي بوزيد قد اوشكت على الانتهاء، في الوقت الذي سادت فيه مخاوف مزدوجة من أن تؤثر التقلبات الاقليمية المستجدة في العراق وسوريا على أمن البلد واستقراره أو تطيح الصعوبات والضغوط الاقتصادية الثقيلة والشديدة بتجربته الديمقراطية الغضة.
ولما تطلع البعض إلى ما سيقوله التلفزيون الرسمي في نشرة اخبار الثامنة مساء، سمعوا بعد طول انتظار مذيعة النشرة تسرد بطريقة جافة خبرا ثانويا منقولا عن وكالة الانباء الرسمية جاء فيه انه «تم بعد ظهر اليوم العثور على أحد الاشخاص مقتولا باربع رصاصات في سيارته، أمام مقر سكناه بطريق منزل شاكر من معتمدية صفاقس الجنوبية، وفق ما افاد به الناطق الرسمي باسم محاكم صفاقس». قبل أن تضيف بان» الضحية من مواليد سنة سبع وستين وهو مدير فني بشركة هندسة ميكانيكية ومتزوج بامرأة سورية». ولم يكلف المشرفون على قسم الاخبار الذين طالما تحدثوا عن المهنية والحرفية والالتزام بقواعد العمل الصحافي أنفسهم عناء البحث عن تفاصيل أخرى، وفضلوا هذه المرة أن ينتظروا ريثما تجهز البيانات الرسمية حتى يسارعوا لبثها ويقفل الموضوع، وينتهي بالدعاء للفقيد وطلب الرحمة والصبر والسلوان، مثلما يحصل في أي حادثة من حوادث السير أو القتل العادية. وكان واضحا أنهم لم يكونوا راغبين في التركيز على جريمة رجحت مصادر قضائية منذ البداية أنها لا تحمل طابعا سياسيا، وقد تكون على الأرجح جريمة حق عام. ولكن تناقل وسائل اعلام اسرائيلية لما قيل إنها اتهامات وجهها احد الاعلاميين التونسيين المشهورين للموساد بالوقوف وراء اغتيال الزواري، حرك الساحة الاعلامية المحلية، وأثار تراشقا بين من تبنوا فكرة أن ما جرى ليس سوى جريمة قتل عادية أو «تصفية حسابات ايديولوجية أو مادية» وفق ما صرح به لاذاعة شمس رجل أمن متقاعد، وبين من دافعوا عن فرضية تورط اسرائيلي في العملية، ومنهم احد الوجوه المعروفة في السابق في الدفاع عن نظام بن علي، الذي كتب على صفحته في فيسبوك «أنا برهان بسيس ساندت زين العابدين بن علي ومازلت على موقفي بكامل تفاصيله الذي عبرت عنه سابقا. لم أكن اتصور أن يصل يوم يصل فيه العفن الايديولوجي إلى استماتة البعض في محاولة سحب صفة شهيد نذر نفسه لفلسطين ووحد في سيرته معنى لقاء المقاومة من اجل فلسطين بعيدا عن خراب التشظي العربي دربته حماس وحزب الله ودمشق وطهران، ايام كانت بندقية المقاومة موجهة ببوصلة واحدة قبل حلول عصر الانحطاط الطائفي المسمى ربيعا عربيا».
وفي ظرف ثمان واربعين ساعة من حصول الجريمة كسب المدافع الشرس عن بن علي نقاطا اضافية لصالح تحليلاته وتوقعاته الاستشرافية بصدور بيان لكتائب عز الدين القسام ينعى «القائد القسامي المهندس الطيار محمد الزواري». لقد بات الامر محسوما إذن وتبين للغافلين أو المغفلين أن القتيل أو «الهالك» كما اطلقت عليه بعض الصحف والمواقع الاخبارية التونسية لم يكن شخصا عاديا. لقد انتمى في التسعينيات لحركة الاتجاه الاسلامي التي صارت لاحقا حركة النهضة، وغادر تونس هربا من قمع النظام، ليعود لها بعد أن حاصرت نار محمد البوعزيزي قصر قرطاج، واجبرت ساكنه الابدي على الخروج السريع إلى المنفى. وخلال كل تلك السنوات التي قضاها مهاجرا في الخارج كان يساعد الفلسطينيين على صنع الطائرات المسيرة عن بعد ويقاوم المحتل الاسرائيلي، ولم يعرف عنه أنه ابدى اهتماما زائدا أو لافتا بما كان يحصل داخل بلده. هل قتلته اسرائيل اذن لانه ساعد حماس على صنع الطائرات المسيرة عن بعد؟ أم قتله محمد البوعزيزي لانه اعطاه املا كاذبا ومزيفا في ربيع عربي وصفه بسيس بعصر الانحطاط الطائفي؟
ليس هناك شك في أن اغتيال الزواري في مدينته وامام بيته وبعد ثلاثة أو اربعة ايام من عودته من سفر إلى الخارج كان مدروسا، مثلما أن اختيار التوقيت كان المقصود منه وضع حد لاسطورة البوعزيزي وتحويلها حتى في نظر من صفقوا وهللوا لها إلى مؤامرة اسرائيلية كبرى، هدفها تقويض أمن الدول العربية واستقرارها، دون أن تكون لها على الاطلاق اي صلة بطموحات الشعوب وتطلعاتها للحرية والكرامة والتخلص من المستبدين والفاسدين.
كان واضحا أن من خطط للجريمة اراد ضرب عصفورين بحجر واحد، أي تصفية عنصر شكّل أو قد يشكل خطرا على الكيان الاسرائيلي، ثم ارباك المشهد الداخلي ومحاولة إحداث حالة من الاستفزاز والإحراج المتعمد للائتلاف الحكومي الهش، الذي يشكل الاسلاميون جزءا أساسيا منه. ولأجل ذلك تم الحرص ايضا على أن يحمل المكان والتوقيت قدرا من الرمزية، وأن يحصل الاغتيال في تونس وتحديدا في صفاقس عاصمة الثقافة العربية وعشية ذكرى انطلاق الثورات العربية.
وما زاد الامر غموضا هو تزامن الاغتيال مع استقالة مدير الأمن بعد خمس ساعات فقط من وقوع العملية و»لاسباب شخصية» حسبما اعلنته السلطات، وكذلك إلغاء رئيس الحكومة زيارة كانت مقررة إلى صفاقس في اليوم نفسه، ثم تواصل الصمت والتردد الرسميين في توجيه اتهام ولو اولي لجهة ما بالوقوف وراء ما حصل الخميس الماضي، ما أجج شكوكا قوية حول تورط جهة داخلية بشكل مباشر أو غير مباشر أو تسترها وتسهيلها لمهمة القتلة.
أما الاخطر من ذلك فهو أن ما جرى لمحمد الزواري الذي كان شهورا واياما قليلة إلى الوراء شخصية شبه مجهولة في تونس، فتح اعين الكثيرين على حجم التحديات التي تواجه بلدا تفادى السقوط المريع في دوامة العنف والاقتتال الاهلي، ولكنه مازال يعيش تجربة انتقال متعثر ومحفوف بقدر واسع الحساسية والصعوبة. كانت حرية التعبير هي اكبر نعمة حصل عليها جيل البوعزيزي، لكنها لم تطلق عقوله ولم تجعله واعيا ومدركا لما يدور حوله. واتضح أن المشكل لم يكن غياب الحرية زمن الاستبداد بل فقدان الاحرار في عصر الحرية. ولان الاصوات الحرة ظلت ضعيفة وبعيدة عن حصون الاعلام وقلاعه العتيدة، فقد ظل المشهد البائس على حاله ولم يخرج الناس بعد ايام من الاغتيال بجملة واحدة مفيدة، أو يقتنعوا بكلمة من اطنان الكلمات التي قالها من وصفوا بالخبراء والمحللين المعروفين على شاشات التلفزيون. توارى المسؤولون ولم يقدروا على مواجهة الناس، أو وصف الجريمة وتحاشوا النطق باسم القاتل، أو حتى اعتبار القتيل شهيدا، وكأنهم خائفون مما وصفها مذيع القناة العاشرة الاسرائيلية «اليد الطولى» التي وصلت لثالث مرة إلى تونس، واختفى على الطرف المقابل المنظرون والثوار ولم يقدموا جوابا واقعيا ومقنعا عن طريقة الرد على الجريمة.
لقد نزع عنهم طيار حماس المغدور قناع ديمقراطية كرنفالية طالما تباهوا بها امام العالم، وكشف انصياعهم لمنطق الدولة ومصلحتها على حساب أمن الناس واستقرارهم وتنكرهم لكرامة كان احتراق البوعزيزي قبل ست سنوات اقوى قرابينها، وجعلهم يظهرون على حقيقتهم بلا مساحيق ولا مواد تجميل حتى إن حاولوا تدارك خياناتهم وزلاتهم بالتباكي لاحقا على قبر المهندس الذي ووري الثرى في يوم بارد وممطر، غابت فيه الحشود وكبار المسؤولين وصغارهم.
نزار بولحية