ما الذي سيفعله ترامب في تونس؟

209 مشاهدات

 نتيجة بحث الصور عن  ما الذي سيفعله ترامب في تونس؟

لم تتراجع البورصة ولم تنزل مؤشرات سوق المال ولم يفق الناس مذعورين ومرعوبين من انتخاب «المتعجرف والعربيد» كما وصفته معظم وسائل الإعلام في العالم.
لا لم يحصل شيء من ذلك القبيل في تونس. ولكن الذي جرى هو أن الصحف المحلية التي صدرت في اليوم الموالي لفوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الامريكية والمواقف والتعليقات التي ظهرت تباعا في برامج التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، وبعد التذكير بأنه لا فرق أو اختلاف على الاطلاق بين المرشحين الاثنين للرئاسة ولا تأثير مباشر أو قريب لفوز أي واحد منهما على العلاقات الوثيقة والقديمة بين أمريكا وتونس، فإنها خرجت وبشيء من المداراة والمواربة المحسوبة، بخلاصة قاتمة وكارثية وهي أن الملياردير العجوز سوف يقلب البلد رأسا على عقب ويعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ويكتم مرة واحدة انفاس الديمقراطية الوليدة التي صفق لها أسلافه، وأكثر ما سيشغل باله بعد العشرين من يناير المقبل، تاريخ تسلمه مهامه، ويأخذ حيزا واسعا من جهده واهتمامه، هو البحث عن طريقة جهنمية لخلط الأوراق وإعادة ترتيبها مرة اخرى وفق نظام لا مكان فيه على الاطلاق لاي وجود للاسلاميين في مواقع السلطة والقرار في تونس. ولن يكون ساعتها غريبا أو مستبعدا أن يصبح البيت الابيض اقرب مما كان في السابق وأن تصير المسافة التي تفصله عن قصر قرطاج هي»مسافة السكة» على رأي الجنرال السيسي، بعد أن ساد الانطباع بان ساكنه القادم سيكون رهن اشارة ورغبة الحداثيين والتنويريين الذين ضاقوا ذرعا بحكم اليمينيين المستترين بالدين، وجاهزا ومستعدا لتلبية نداء الواجب والضمير والانسانية، وطرد وملاحقة من ظلوا طوال عقود الاستبداد يوصفون بالارهابيين والظلاميين. إنه مشهد كاريكاتيري مجنون يصور حكم ترامب على أنه عصر التغييرات العاصفة والعنيفة في السياسة الخارجية، للدولة الاكثر قوة ونفوذا في العالم، التي سيكون المتضرر الاكبر منها بالنهاية هو ما بات معروفا بالاسلام السياسي، الذي توقع الكثير ممن يقدمون على انهم خبراء ومحللون سياسيون غيابه واختفاءه تماما عن مواقع القيادة والسلطة في تونس، قبل ثلاث سنوات من الآن، إبان الأزمة السياسية التي عرفها حكم «الترويكا» وصاروا متيقنين ومتأكدين هذه المرة من أن تحليلاتهم وتوقعاتهم تلك سوف تتحقق، بعد الخسارة المدوية لهيلاري كلينتون المتهمة بنظرهم بانها وقفت وساندت بكل قواها تصدر الاسلاميين للمواقع الامامية للقرار، في اعقاب موجة الربيع العربي التي هزت الاقليم قبل سنوات. التلميحات وحتى التصريحات في هذا الجانب ذهبت مباشرة ودون تردد نحو جهة معروفة، وهي حركة النهضة التي باتت تمثل ثقلا سياسيا مهما، وتشارك في ائتلاف حاكم مع منافسها السابق في الانتخابات حزب النداء وقوى حزبية ونقابية اخرى. والتساؤل الذي طرح نفسه هنا هو كيف سيكون مصير تلك الحركة بعد «الزلزال الامريكي»؟ وهل ستبقى جزءا ثابتا ومستقرا من المشهد السياسي؟ أم انها ستدفع ضريبة الصعود غير المتوقع لقوى التطرف والتعصب والمعاداة للاسلام التي يمثلها ترامب؟
إن ما لفت الانتباه هو أن النهضة كانت أول حزب سياسي تونسي بادر إلى تهنئة ترامب بفوزه بالانتخابات، من خلال بيان حمل توقيع الشيخ راشد الغنوشي وكان مليئا بالاشارات الموجهة للداخل والخارج معا. فقد قال الشيخ بعد تهنئة ترامب «بالثقة التي منحه اياها الشعب الامريكي الصديق» إن حركته تعتبر ان «خطاب المرشحين الاثنين في السباق الرئاسي الاخير تمحور بالاساس حول قضايا الداخل الامريكي في مجالاته المتعددة، في حين لم يمثل الخارج وما يتعلق به من سياسات كبرى ومواقف وتحالفات محورا بارزا ومجالا كبيرا للتناظر والخلاف بين المرشحين، باعتبار أن ضبط هذه المسائل الاستراتيجية تتولاه بالاساس المؤسسات بناء على المصالح القومية الامريكية العليا في العالم»، قبل أن يختم بالتأكيد انه «بين تونس والولايات المتحدة الامريكية مصالح مشتركة يجب رعايتها، وإن للرئيس الجديد مجالا مهما في هندسة إدارة المصالح الامريكية في العالم وفي توجيه السياسة الخارجية الامريكية، خاصة ما يتعلق منها بشعوب وقضايا العرب والمسلمين في اتجاه ارساء السلام ودعم تحرك هذه الشعوب نحو الحرية وبناء الديمقراطية وتحقيق التنمية في بلدانهم».
ولم يكن هناك شك في أن الصورة كانت واضحة في اذهان قادة النهضة، ولأجل ذلك لم يروا من الضروري أو المفيد أن يبادروا إلى خلع ابواب مفتوحة وفضلوا أن يذكروا خصوم الداخل ومن تمنوا أن تترجم مواقف ترامب المعادية للاسلام والمسلمين أثناء حملته الانتخابية إلى صدام مباشر ومفتوح مع الاسلاميين في تونس، بأن ما يحكم امريكا ليس الشعارات والعواطف بل فقط مصالحها العليا، قبل أن يجددوا التأكيد على أنه من واجب الرئيس الامريكي الجديد رعاية تلك المصالح المشتركة لا تدميرها. وربما بدا خطاب النهضويين براغماتيا أكثر من اللازم، ولكن سرعة إصداره والاختيار الدقيق لعباراته أوحى باطمئنانهم وثقتهم في أن ترامب لن يكون المتحكم الأوحد في مستقبل تونس وانه من الغباء والسذاجة أن يتصور أحد أن تزج القوة العظمى بنفسها في مستنقع خلافات ومناكفات ايديولوجية مزمنة بين الاسلاميين ومناوئيهم، وتتدخل لحسمها في هذا الاتجاه أو ذاك. وربما كان اجتماع الجلسة العامة لكتلة حركة النهضة بمجلس نواب الشعب الاحد الماضي فرصة اخرى لوضع النقط على الحروف بعد أن عاد رئيس الحركة ليفصل موقفه السابق بخصوص الانتخابات الامريكية قائلا بانه «لا كلينتون ولا ترامب حاملان للواء الاسلام أو الديمقراطية فهذه الدول لها مصالحها» قبل أن يضيف بأن» المسار التونسي ليس في مهب الريح» وانه «يتمتع بقدر من التأمين» وان واحدا من اسباب ذلك هو أن الإسلاميين في تونس وضعوا انفسهم في مكان وسط، على حد تعبيره، وبالتالي فإن «التغييرات التي تحصل في العالم تؤثر ولكن بشكل محدود ونحن لسنا في معارك لا مع اليمين ولا مع اليسار». وهنا قد تفسر الجملة الاخيرة بالذات سر صمود النهضة وبقاء تجربة التعايش التونسية «الشمعة الوحيدة المضيئة في الربيع العربي» مثلما يحلو للشيخ الغنوشي أن يكرر باستمرار.
أما على الطرف المقابل فلا يبدو أن غباء واندفاع ترامب سوف يقوده لتدمير نوع من الهدوء والاستقرار النسبي لبلد يطل على اوروبا، ويجاور بلدين عربيين مهمين هما ليبيا والجزائر، وقد يصلح لان يكون منصة اساسية لملاحقة من يصفهم بالارهابيين الذين يهددون أمن امريكا وسلامتها. وليس من الواضح ايضا أن تصريحاته ومواقفه المعروفة من المكسيكيين والاقليات، ومن المسلمين بالخصوص سوف تعني أن امريكا ستخوض حربا مفتوحة وعلنية ضد الاسلام أو حتى ضد حركات اسلامية مثل حركة النهضة، التي وصفها تقرير صدر عن لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان البريطاني بالتزامن مع إعلان فوز ترامب بانتخابات الرئاسة الامريكية بانها «حركة ديمقراطية تساهم بجدية في البناء الوطني والتأسيس لمفهوم الاسلام الديمقراطي». والسبب ببساطة هو أن خطوة من ذلك القبيل لن تصب في مصلحة امريكا التي تدرك جيدا أن وضع المسلمين وحتى الاسلاميين في سلة واحدة لن يكون مفيدا، بل على العكس سيجلب لها المزيد من المتاعب والاعداء الاضافيين. انها لا تستطيع نسف تجربة صفق لها الكونغرس وانبهر بها العالم، لمجرد أن أحد اطرافها اسلامي. والمشكلة الكبرى في تونس هي أن قسما واسعا من التونسيين لا يشعرون بأنهم أنجزوا شيئا خارقا أو عظيما من تلقاء انفسهم ودون عقول أو اياد خارجية خططت ونفذت وانه باستطاعتهم أن يقرروا مصيرهم بانفسهم بمنأى عن تدخل وإرادة الغير. فهم معلقون بين خيوط وهم تبدأ من فرنسا لتمتد إلى ما وراء المحيط الاطلسي.
وليس من السهل اقناعهم بأن امريكا وفرنسا أو اي قوة اخرى لا تستطيع أن تقرر مستقبلهم بدلا منهم ورغما عن ارادتهم أو أن يفهموا أن نجاح تجربتهم سوف يكون معلقا على تصميمهم وعزيمتهم، وليس على وعود الاخرين وخطاباتهم. وربما كان نجاح ترامب مفيدا في تخليصهم من أوهام عششت في عقولهم طوال السنوات الاخيرة، وتحولت إلى ما يشبه القناعة الراسخة لديهم بأن امريكا هي من صنعت ربيعهم وهي من ساندت الاسلاميين واوصلتهم إلى السلطة. وهذا ما يجعل النهضويين بالدرجة الاولى امام اختبار جدي وحاسم قد لا يقل قيمة واهمية عن الاختبار الذي واجهوه قبل ثلاث سنوات من الان، حين حصل» الزلزل المصري» ونجحوا في أن يثبتوا فرادتهم وتميزهم واستقلال قرارهم ومصيرهم عما كانوا يعدون حلفاء اقليميين لهم. انه تحد وفرصة اخرى لهم وللديمقراطية التونسية حتى تثبت انها تستطيع أن تنجز وتفعل بمفردها وليست كما يظن البعض ديمقراطية اليد السفلى وانتظار ما سيفعله ويقرره ترامب أو غير ترامب.
كاتب وصحافي من تونس