سوريا العظمى بين مطارق الصهاينة وسنادين الأتراك

2491 مشاهدات

 terrorrr

دفعت الحكومة التركية بمزيد من قواتها المسلحة الى عمق الأراضي السورية تحت ذريعة حماية ونقل قبر مؤسّس الدولة العثمانية سليمان شاه والذي كان قضى غرقا في نهر الفرات أثناء فراره أمام الزحف المغولي سنة  1227 بالقرب من المكان المسمى حاليا ترك مزاري في قلعة جعبر بسوريا، والكل يجمع أن القبر المذكور مجرّد مزار رمزي ولا يحتوي رفاة السلطان العثماني، هذا التصعيد الخطير والتدخّل السافر يأتي تكملة للخيار التصعيدي الذي انخرطت فيه أنقرة منذ بداية الأزمة السورية، من خلال دعمها وايوائها للجماعات الارهابية التي اتخذت من الأراضي التركية ملاذا آمنا ونقطة انطلاق تدريبا وتجميعا ومهاجمة للأهداف السورية.

هذا الفصل العدواني التركي الجديد نجد له في سياقه التاريخي شواهد وسوابق طبعت العلاقة المتوترة بين الجارتين، ففي سنة 1957 حاول رئيس الوزراء عدنان مندريس ووزير خارجيته فطين رشدي زورلو اجتياح سوريا وتأليب الرأي العام ضدها زاعمين أنها عدو للشعب التركي وحليفة الاتحاد السوفييتي، ولكنه فشل في مبتغاه بعد رفض الولايات المتحدة تجاوز الخطوط الحمر وكان مصيره الاعدام بعد انقلاب عسكري ضده سنة 1961، كما هدد سليمان ديميريل كذلك بالعدوان على سوريا سنة 1998 عقب ايوائها زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان (الذي مازال يقبع في السجون التركية رغم الاتفاق على اطلاق سراحه مقابل تجميد العمل العسكري والاعتراف بحزمة من الحقوق للجالية الكردية بتركيا) والسماح بإقامة معسكرات تدريب للأكراد على الاراضي السورية والبقاع اللبنانية.

بَيْد أن الصلف الأردغاني، الذي يعمل بالشراكة مع “ممالك الرمال” ونظم القبائل وكيان الاحتلال الصهيوني، بلغ منتهاه بعدما عجز مرارا في استصدار مسوّغ قانوني وسياسي وجرّ الأزمة السورية للتدويل والتدخّل العسكري بقرار أممي (كما حدث بليبيا) كانت جامعة “العربان” قد تبنّته وروّجت له تحت سيل من الحجج الواهية وتحمّست له عواصم العدوان الغربي قبل أن يسقطه الفيتو المزدوج الروسي-الصيني، فالعملية الأخيرة كانت مجرّد متنفّس للإحباط  الكبير الذي أصبحت تعيشه القيادة التركية، التي تشير تقارير متعدّدة أنها تواجه عزلة سياسية دولية غير مسبوقة، وكانت قد “أحرقت كل مراكب” الحلول الديبلوماسية وانخرطت في وهم كبير أسمته إسقاط النظام الوطني السوري، بعدما بدأت بوادر انهيار مشروع إقامة منطقة عازلة على الحدود المشتركة بالشمال السوري تحت اشرافها، وخاصة مدينة حلب التي أخلى لصوص العثمانيين مصانعها ومصادرها الحيوية وفكّكوا تجهيزاتها وآلاتها ونقلوها الى عمق التراب التركي، وأمام التقدّم البطولي للجيش العربي السوري ونجاحه في فك الطوق الذي كانت تفرضه جبهة النصرة على بلدتي “نبل والزهراء” في الريف الشمالي الغربي لمدينة حلب، وقطعت خطوط امدادهم، بشكل أربكت حكومة التآمر التي سارعت بحماية لقطائها المسلّحين بعدما بدأت تحصيناتهم تتهاوى وقلاعهم تتساقط ، بذريعة حماية أجداث “سليمان شاه” ونحن نعلم علم اليقين أن أيدي التكفيريين من دواعش ونصرة وغيرها  لم ولن تطوله ولن يلقى قبره مصير مقام الصحابيين الجليلين عمار ابن ياسر وحجر ابن عدي رضوان الله عليهما الذين فُجّرا ونبشت قبورهما، ولا أدل على ذلك أن “داعش” كرّمت الديبلوماسيين الأتراك الذين اختطفتهم في الوصل بالعراق وأعادتهم آمنين غانمين بعد 3 أشهر في حين أنها لم تبقِ ولم تذر غيرهم، دون اغفال انسحاب تركيا من “مهزلة” التحالف الدولي ضد “الارهاب”، وتواتر الأنباء التي تؤكّد أن تركيا أكبر مشتر للنفط المسروق والآثار المنهوبة بسوريا والعراق.

وفي هذا السياق ليس غائبا عنا حجم التعاون التركي مع بعض دول النفط والغاز بالمنطقة التي حشدت كل امكانياتها المالية  وفتحت خزائنها لاستكمال استهداف الدولة السورية والتي لم يعد خفيا تورّطها في الدم السوري بل ويحظى بشرعية “عربية”، وكذلك تنسيق أنقرة وجهودها المشتركة مع تل أبيب العسكرية والاستخباراتية الرامية لاقتطاع مناطق حدودية عازلة تقيمان عليها جيشا من العملاء والمرتزقة على غرار جيش لحد بجنوب لبنان الذي كنسته المقاومة كنسا، فكانتا تمدّان المجاميع الارهابية بإحداثيات تحركّات الجيش العربي السوري مع القيام بعمليات “جراحية” اذا لزم الأمر لفك الطوق عنها أو إعاقة تقدمه وتعديل التوازنات المختلّة على الأرض، فكانت أكثر من غارة صهيونية في الشرق والجنوب السوري وأخر تركية في شمالها لتخفيف الضغط عن المسلّحين واعطائهم جرعة دعم معنوي، يضاف لذلك اتفاقها مع الولايات المتحدة مؤخّرا للبدء في برنامج تدريب وتجهيز من تمّ وصفهم بمعارضين سوريين معتدلين (!!)، وإذا كانت الولايات المتحدة قد قطعت مع الخيار العسكري المباشر بعد “مسرحية” السلاح الكيمياوي بالغوطة، وأصبحت تبدي فتورا وقلّة حماسة ولا تخفي تخوّفها من أن يملأ الارهابيون الفراغ الذي قد يخلّفه تنحي الأسد، الا أنها مع ذلك تفضّل استمرار حرب الاستنزاف والتدمير المتواصل على ايجاد نظم حكم موالية غير مستقرّة. وهي الى ذلك منشغلة بملفّات ذات أولوية تراها أكثر حرقة وتريد الحسم فيها على رأسها الملف النووي الايراني ومقاومة الارهاب والصراع الاقتصادي مع المارد الصيني وتجدّد بوادر الحرب الباردة مع الدب الروسي.

فالمسار الدولي المعادي بدأ يتخلخل ويتجه نحو رفع “المقاطعة” السياسية عن سوريا وأصبح بقاء الرئيس السوري بشّار الأسد واقعاً وضمانة في وجه الارهاب، وبعد تأكيد المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا أن “الرئيس الأسد هو جزء من الحل” رغم حدة الاستياء الذي أثارته تصريحاته، كما نقلت وكالة رويترز عن دبلوماسيين غربيين أن دولا أوروبية تؤيد الدخول في المزيد من التواصل مع دمشق واستئناف العلاقات معها فضلاً عن إعادة سفرائها إليها، وتصريح وزير خارجية الدانمارك أنه لا يمكن تجنب الحوار مع النظام لأنه يمثل عنصر قوة، وزيارة وفود برلمانية أمريكية وفرنسية وغيرها لدمشق، كما تمّ الكشف عن اتصالات قائمة وزيارات قام بها مسؤولون غربيون إلى العاصمة دمشق في إطار التنسيق من أجل مكافحة الإرهاب لا سيما بعد تنامي الشعور بالخوف لدى الدول الغربية والأوروبية تحديداً من عودة المقاتلين الأجانب في سوريا إلى بلادهم وتنفيذ هجمات إرهابية فيها.

إن توازنات القوى على الأرض تعطي أسبقية للنظام السوري “لمداعبة” مناوئيه  وتعزّز مواقعه التفاوضية في المبادرات القادمة لتسوية الأزمة، ولن يكون مطروحا عليه تقديم تنازلات جوهرية لا تتماشى مع المعطيات الموجودة على الأرض، فسياسة “كسب الوقت” تدعم مواقف النظام الذي اعتمد أسلوب القضم البطيء والتطهير الشامل لمواقعه وتحصينها أمام تسلل المسلّحين الذين تكبّدوا خسائر كبرى وغادر من استطاع منهم سبيلا ساحات المعارك، أما “المعارضة السياسية” فهي منقسمة أصلا وقراراتها لا تجد تجاوبا عند الجماعات المسلّحة التي ينتمي أغلبها للتيار التكفيري، فالحل السياسي أصبح الخيار الأمثل للتعامل مع التطورات الجديدة سيما أن النافخين في أوداج الأزمة ارتدّت عليهم نيرانها واكتووا بلهيبها.

هشام البوعبيدي