للقدس في يومها.. وللإمام الخميني

879 مشاهدات

يأتي يوم القدس هذا العام، والتحديات المحدقة بأمّتنا كثيرة وكبيرة، وليس أمامنا من خيار سوى المقاومة والصمود، فالنصر دائماً حليف المؤمنين والمكافحين والصابرين وأصحاب الحق.

*****

لم تكن القدس في يوم من الأيام مجرد مدينة مقدسة فحسب، وإنّما هي خلاصة مركّزة لكل مسيرة الأديان السماوية على وجه الأرض.

فهي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين (بعد مكة والمدينة)، ومسرى الرسول الأعظم (ص)، ومهبط الوحي وأرض الرسالات، ومدينة السلام وزهرة المدائن، ومحط أنظار البشر منذ أقدم العصور.

من أجل ذلك فإنّها تعتبر ظاهرة حضارية فذة تنفرد فيها دون سواها من مدن العالم، فهي المدينة المقدسة التي يقدسها أتباع الديانات السماوية الثلاث: المسلمون، والنصارى، واليهود، فهي قبلتهم ومصدر إلهامهم ورمز لآمالهم وطموحاتهم..

****

وفي لحظة تاريخية فارقة من سنة 1979 أصبح للقدس يومها، وهو الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، حيث يمثّل إحياؤه في كل عام بمثابة إحياء للإسلام وانتصار للحق على الباطل.

وطبيعي أن يكون صاحب هذه الدعوة العظيمة هو الامام الخميني ( رحمه الله) انطلاقاً مما تمثله قضية القدس بالنسبة إليه من معانٍ دينية وإيمانية عميقة، وصولاً إلى دورها السياسي وتأثيرها الاستراتيجي على مستوى مصير الأمة ومستقبلها.

من هنا كانت دعوته، رحمه الله، منذ اللحظات الأولى لانتصار الثورة المباركة في إيران لإحياء يوم القدس العالمي بمثابة استنهاض واستنفار للوعي والضمير والشعور الإسلامي من أجل جعل قضية القدس القضية المركزية للمسلمين في كل مكان وفي كل حين.

لقد أطلق الإمام الخميني الراحل صرخته المدوية يوم السابع من أوت عام 1979 ـ أي بعد أقل من خمسة أشهر من انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وجاء في هذا النداء:

“أدعو جميع مسلمي العالم إلى اعتبار آخر جمعة من شهر رمضان المبارك، التي هي من أيام القدر ويمكن أن تكون حاسمة أيضا، في تعيين مصير الشعب الفلسطيني، يوما للقدس، وأن يعلنوا من خلال مراسيم الاتحاد العالمي للمسلمين، دفاعهم عن الحقوق القانونية للشعب الفلسطيني المسلم“.

إنها صرخة هادرة هزّت أركان الأمة، وأعادت إليها صحوة العمل من أجل ترتيب أولوياتها على أساس جعل مدى نجاحها في مسيرتها مرتبط بمدى قربها من تحرير القدس الشريف.

لقد أراد الإمام الخميني من إعلان يوم القدس، يوماً لليقظة، يوماً للعمل من أجل الحق، ومن أجل الإنسان، ومن أجل الحرية، ومن أجل الخير والسلام الحقيقي؛ فيوم القدس يوم عالمي، ليس فقط يوماً خاصاً بالقدس، إنه يوم مواجهة المستضعفين للمستكبرين..

لقد أراد الإمام الخميني أن يعطي للقضية الفلسطينية “عقائديتها”، لأن انهزامات وانتكاسات أكثر من نصف قرن مرت بأمتنا في صراعها مع العدو الصهيوني كانت بسبب غياب “العقائدية الإيمانية”.

****

لقد مثلت القضية الفلسطينية بشكل عام، والقدس بشكل خاص، الهمّ الأساس في فكر ونهج الإمام الخميني، فسخر لهما جل وقته، وكل إمكاناته وطاقته من أجل تحريرهما من الاحتلال الإسرائيلي، ولكي تبقى القدس عنوان التعبئة، وعنوان الصراع، اتخذ من آخر جمعة من شهر رمضان المبارك يوماً لها، لما للأيام الأخيرة من قدسية، لأن احتمال ليلة القدر فيها.

كان الإمام (رحمه الله) يخاف على القدس، وكل المقدسات الفلسطينية الأخرى من الضياع، كان يخشى أن يتم التنازل عنها أو عن أجزاء منها في مفاوضات التسوية، نتيجة الضغوط الأمريكية وغير الأمريكية، لذلك حرص أن تبقى حية في النفوس وفي الضمائر، وفي قاموس مفرداتنا السياسية والثقافية والفكرية، نعمل من أجلها، نستنفر كل إمكانياتنا العسكرية والدبلوماسية والإعلامية والمادية من أجل نصرتها، حتى يحين الوقت الذي نستطيع فيه استعادتها وتخليصها من براثن الصهيونية.

القدس في رؤية الإمام الخميني ليست قضية تخص الفلسطينيين وحدهم أو العرب وحدهم، وإنما هي قضية الأمة الإسلامية، وهي مسؤولية الأمة بكل شعوبها وحكوماتها وشرائحها. ولذلك اختار أعظم يوم في أعظم شهر، وهو يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان المبارك يوماً عالمياً للقدس، وقال أنه يوم فلسطين ويوم الإسلام.

وقد أعاد الإمام بذلك قضية القدس إلى موقعها الطبيعي والتاريخي في الصراع القائم وحاول استنقاذها ممن يصر على اعتبارها أمراً فلسطينياً خاصاً، وبالتالي فليس هناك مسلم في هذا العالم يمكنه أن يقبل أو يوقع أو يعترف بالقدس جزءاً من “إسرائيل” أو عاصمة لها، سواء كان هذا الفرد حاكماً أو منظمة أو فئة، وحتى لو كان شعباً بكامله. ولا يمكن أن تصبح القدس في يوم من الأيام حقيقة إسرائيلية لا نقاش فيها مادام في هذه الأمة نبض حياة، وبعض من روح الخميني وعزمه.

وفي الختام فإنّ الصراع على القدس يدور اليوم على أكثر من صعيد ومحور وهو يقترب من إحدى محطاته الأخطر والأهم على مر التاريخ، فعسى أن يكون الفتح قريبا..

حافظ البناني