توازن الثورة والدولة في إيران

451 مشاهدات

ذكرى الثورة الايرانية وما يسمى بالمعارضات العربية

بعد 36 عاما من ثورتها ما تزال إيران تتدبر قضايا الايديولوجيا والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، وتبحث عن وسائل تأمين أمنها القومي عبر وسائط أربع: تأمين هويتها الدينية كنظام حكم أدخل منظومة الإسلام السياسي كطرف في صراع القوى العالمي.

الثاني: توسيع نفوذها الاقليمي بتحالفات مع الدول المجاورة الاكثر تناغما مع أطروحاتها الدينية والسياسية، والثالث فتح صفحة جديدة في علاقاتها الدولية تبدأ بتبريد نقاط التماس مع الغرب، خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، تنقية الاجواء الاقليمية من العقبات التي أصبحت بمثابة أسلحة تستهدف منظومتها، ومن ذلك: التطرف والطائفية والإرهاب. هذه الاستراتيجية مفهومة بشكل واضح لدى القوى المناوئة لنظام الحكم الإيراني المؤسس على المبادئ التي أعلنها قائد ثورتها، الامام الخميني، في مثل هذه الايام من العام 1979. ولذلك تسعى هذه القوى لعرقلتها بكل ما لديها من وسائل.

وتلعب القوى الاقليمية المناهضة لتلك الاستراتيجية دورا محوريا في التصدي لما يطلق إعلامها عليه «المشروع الإيراني»، ويتمثل ذلك الدور بعدد من المحاور: أولها إحكام الحصار الاقتصادي على الجمهورية الإسلامية بدعاوى شتى تتصدرها دعوى سعي إيران لامتلاك سلاح نووي. ثانيها: تطوير ذلك الحصار مؤخرا بضرب أسعار النفط بقوة غير مسبوقة، أدت لتداعي أسعاره إلى ما دون الخمسين دولارا للبرميل الواحد في مقابل أكثر من ضعف ذلك قبل عامين.

ثالثها: المقارعة بالمثل: فاذا كانت إيران قد أسست مشروعها السياسي بعد الثورة على الإسلام فأقامت ما يسميه الغربيون «الإسلام السياسي» فقد تمخضت عبقرية مناوئيها عن عنوان آخر أثبت قدرته على ترويض «المشروع الإيراني»، فأصبح التمايز الطائفي عنوانا لذلك.

هذا السلاح ليس موجها ضد إيران بشكل خاص، بل إنه يستهدف الحركات الإسلامية التي كانت مرشحة لقطف ثمار الربيع العربي والوصول إلى الحكم في العديد من الدول العربية، خصوصا مصر، والبدء بالتجهيز لإقامة أنظمة حكم ذات طابع إسلامي. وهنا طرحت المسألة الطائفية كسلاح ضد مشاريع الإسلام السياسي لدى الحركات الإسلامية العربية. وجاء استهداف تلك الحركات بشكل تصفيات دموية كما حدث للإخوان المسلمين في مصر أو إرهاصات عسكرية كما يحدث في ليبيا أو «هندسة» الانتخابات كما حدث في تونس، أو تحويل المسار الثوري إلى حمامات دم كما هو الحال في سوريا.

رابعها: إعادة هيكلة المشروع الإسلامي على أيدي أعدائه ليتحول إلى ما هو ضده تماما، بحيث يبدأ تنفيذ ذلك المشروع بشكل مقلوب: فيسلب الامن من الناس ويبدأ بقطع الرؤوس وبتر الاطراف وجلد الظهور، بدون أن يعطى للجماهير دورها في تقرير مصيرها.

خامسها: تهميش القضية الفلسطينية على كافة الصعدان بعد الاجهاز على ثورات الربيع العربي. هذا التهميش أضعف وتدا آخر للسياسة الخارجية الإيرانية التي كانت قضية فلسطين من أهم أولوياتها منذ قيام الثورة.

إيران اليوم تواجه من التحديات ما يفوق كافة ما واجهته منذ تأسيس نظامها السياسي منذ 1979. وبرغم حجم ما تعرضت له في السنوات العشر الاولى من الثورة وفي مقدمته الحرب العراقية – الإيرانية التي امتدت ثماني سنوات، واغتيال كبار قادتها على أيدي مجموعات مسلحة انطلقت من داخل أراضيها، وفرض حصار اقتصادي تواصل طوال عمر الثورة، فان ما تواجهه اليوم مختلف تماما في مساحته وعمقه ومداه وعمقه. فمواجهة مشروعها السياسي بالسلاح الديني ليس أمرا هيّنا، وليس من السهولة بمكان كسب المعركة. لقد استخدم السلاح الكيماوي ضد قواتها على جبهات الحرب العراقية الإيرانية، وما يزال آلاف جنودها ومتطوعيها الذين كانوا على الحدود آنذاك يعانون من آثار الاسلحة التي تؤدي إلى ضعف أداء الجهاز التنفسي وتليف الرئة. والسلاح الطائفي يفوق السلاح الكيماوي تأثيرا وتدميرا لأنه يلامس صلب العقيدة السياسية للنظام السياسي الإسلامي الذي يعتبر وحدة الامة من أقوى مرتكزاته. وبالتالي فان تمزيق الصف الإسلامي يسلب من النظام إحدى أهم دعاماته. هذه المرة جاء ضرب مشروع الإسلام السياسي من داخله، بطرح المسألة الطائفية كحاجز بين فصائل الإسلام السياسي. وبالإضافة للحواجز التي صنعت بين الحركات الإسلامية السياسية في أغلب البلدان العربية وإيران، استطاع أعداء المشروع الإسلامي إضعاف العلاقات بين فصائل المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين بفرض البعد الطائفي على العلاقات وتعميق الحساسية في ما بينها. وقد جاء العدوان الاسرائيلي الاخير على مقاتلي حزب الله بمنطقة الجولان السورية وقتل ستة منهم، من بينهم جهاد، نجل الشهيد عماد مغنية، ليرمم شيئا من تلك العلاقة. فقد شعرت الفصائل الفلسطينية بضرورة استعادة التوازن في الموقف ومنع العدو من اختراق صفوف المقاومة، فأعلنت تضامنها مع حزب الله في ظروف كاد الاحتلال يعلن النصر الكامل على الامة. إن الاستهداف هذه المرة أصبح شاملا وعميقا، فبالإضافة للحصار الاقتصادي والمصرفي على إيران، وهو حصار يتجدد ويحاصر شعب إيران في معيشته، فإن ضرب أعمدة السياسة الإيرانية التي تشكل بمجموعها جانبا من هوية الثورة، أصبح مصدر قلق للقيادات الإيرانية، خصوصا الدينية والروحية. ولذلك ما فتئ مرشد الثورة يطلق الخطابات الهادفة لإعادة التوازن للسجال الفكري والسياسي، ومحاولة الحفاظ على اتجاه الثورة على صعدان عدة منها: التحرر من التبعية، واستقلال إيران والعالم الإسلامي من النفوذ الغربي، وإقامة الوحدة بين المسلمين، وإعادة قضية فلسطين إلى صلب الاهتمام العربي والإسلامي، والحفاظ على ثروات العرب والمسلمين بالاستفادة منها ضمن المنطق والمعقول، بعيدا عن التبديد وإساءة الاستخدام.

في ذكرى ثورتها تبدو الجمهورية الإسلامية في صراع مع الزمن لوقف تداعيات الموقفين العربي والإسلامي إزاء القضايا المحورية. وتعلم طهران أن ما يحدث على حدودها الشرقية والغربية إنما هو محاولات لاستدراجها لمستنقع حروب استنزافية لا تخدم هدفا نبيلا. وما انتشار التطرف والإرهاب والعنف على حدودها إلا حلقات من مسلسل التصدي لمشروع الإسلام السياسي الذي تمثل إيران محوره الاساسي. وبالإضافة لضرب إيران، يهدف مروّجوه وداعموه لضرب مشاريع التغيير في العالم العربي التي كادت تتحقق بقيام ثورات الربيع العربي لولا تصدي أطراف عديدة لضربه بقسوة. والواضح أن هناك تحالفا واسعا بين الغرب وحكومات المنطقة لمنع ذلك التغيير. وبالإضافة لاحتفاظ الغرب بنفوذه السياسي والعسكري في المنطقة، فقد ضمن ثلاثة أمور مهمة: أولها النفط الذي يتدفق له بمعدلات كافية وأسعار منخفضة جدا، وثانيها إضعاف الجبهة العربية في مواجهة «إسرائيل» وتمزيق المقاومة للاحتلال وفق خطوط التمايز الطائفي، واحتواء مشروع الإسلام السياسي في شقه العربي. ويمكن لمن يريد التأكد من صحة هذا الزعم قراءة السياقات السياسية بتجرد وموضوعية وانسلاخ من المحيط السياسي والمذهبي الصاخب. إيران، من جانبها، تعي جانبا كبيرا مما يجري، ولكن قدرتها على التصدي لكل ذلك محدودة جدا. ولا تساعدها أوضاعها الاقتصادية أو خصوصيتها المذهبية أو سياستها إزاء القضية الفلسطينية، أو إصرارها على حماية مشروعها النووي، على تحقيق اختراق كبير لمواقف الاطراف الاخرى. وطالما بقيت مجموعات «الإسلام السياسي» التي استهدفت بشكل أساسي من قبل قوى الثورة المضادة وأقصيت عن الحكم، عاجزة عن إدراك الحقيقة التي ذكرت آنفا وهي إنها هي المستهدفة حقا من كافة الاجراءات المذكورة، فستظل رهينة طيعة لدى واضعي خطط القضاء على الإسلام السياسي.

إيران لم تستسلم لأي من هذه الضغوط، وإن كان الاعياء قد بدأ يترك آثاره عليها. فهي تعيش حالة استنزاف سياسي واقتصادي وايديولوجي متواصل. وبرغم خطابها الحريص على توعية الجماهير العربية والإسلامية لخطط أعداء الامة، فما تزال أصوات التشويش والضوضاء تحجب الحقيقة وتحرم إيران من الآذان الصاغية التي يؤسس أصحابها منطلقاتهم ومواقفهم على المنطق والوعي والبرهان. ومن مظاهر الاعياء أوضاعها الاقتصادية الصعبة لأسباب ثلاثة: الحصار المفروض عليها منذ أكثر من ثلاثة عقود وتداعي أسعار النفط وإنفاقها على حركات المقاومة. وثمة إدراك بأن الرئيس حسن روحاني عنصر ايجابي لتهدئة الوضع الداخلي وتحقيق التوازن المطلوب بين «الثورة» و «الدولة»، وأن ذلك الوجود ربما دفع الأمريكيين لإعادة النظر في مواقفهم التاريخية المعادية لإيران، وشجعهم لاتخاذ قرار تاريخي بترميم العلاقة بشكل تدريجي.

د. سعيد الشهابي