روسيا في سوريا: إلى الوراء در!

120 مشاهدات

الطائرات الحربية الروسية تغادر قاعدة حميميم في سوريا

كالرعد في سماء صافية! هكذا كان صدى قرار الرئيس فلاديمير بوتين عودة الجزء الأكبر من القوات الروسية العاملة في سوريا.

المعارضون السوريون المتقاطرون إلى عاصمة الأمم المتحدة الأوربية، جنيف، لم يكونوا فتحوا حقائبهم بعد في الفنادق المحاطة بحراسات مشددة، وتهذيب سويسري مميز،حتى فوجئوا بالقرار وعقدت الدهشة السنة المتحدثين باسمهم الذين كانوا إلى دقائق قليلة يحملون موسكو مسؤولية ” تشجيع” النظام السوري على التعنت.

ولعل وفد الحكومة السورية، اخر من كان يعلم بالقرار، او انه تعرف عليه من الاخبار؛ فيما بدت اروقة مؤتمر جنيف السوري الثالث،مشحونة بتوقعات اغلبها سوداوي، وأكثرها تفاؤلا يميل الى ان الحلقة الجديدة من “طق الحنك” في جنيف قد تساعد بشكل من الأشكال على فتح الممرات وتخفيف الحصار على مناطق سوريا المنكوبة.

وربما تلقى المبعوث الاممي الى سوريا ستيفان دي ميستورا الخبر وهو يتحرك بين الوفود نزولا وصعودا على السلم الكهربائي، مثل ساحر في الأفلام الإيطالية، تعلو وجهه ابتسامة يلوح انها لن تفارقه حتى في المنام، لانها صارت من “عدة الشغل”! وقبل انتشار الخبر”المعجزة” على حد وصف صحفي مدمن على تغطية مؤتمرات جنيف؛ لم يضع الفرقاء السوريون، دون استثناء، في حساباتهم ان الكرملين سيأمر قواته في سوريا “الى الوراء در”!.

لكن متابعي خطوات وأداء الرئيس فلاديمير بوتين لا يجدون في قرار سحب القوات خروجا على المألوف.

نهج الكرملين المعلن، اكد منذ البداية على ان العملية العسكرية محددة الأهداف، ومؤطرة بسقف زمني لن يطول مهما بلغت الأحوال. اذ ليس خافيا على شركاء روسيا من اللاعبين الدوليين والإقليميين؛ ان بوتين غير مستعد للمضي قدما في “عسكرة” المجتمع على خلفية سلسلة من التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الانخفاض الحاد في أسعار النفط؛ العمود الفقري للخزينة الروسية.

وفيما تؤكد المصادر الامريكية قبل الروسية مصرع احد اخطر قادة الجماعات المسلحة في سوريا؛ ابو عمر الشيشاني ؛ الذي طالما توعد روسيا بالويل والثبور؛ يعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو ان الحملة الروسية قتلت اكثر من ألفي مسلح على شاكلة الشيشاني؛ قدموا لسوريا من روسيا ودوّل الاتحاد السوفيتي السابق.

معنى ذلك ان الحملة حققت احد اهم أهدافها، الى جانب منع سقوط دمشق بايدي التنظيمات الإرهابية، واتاحة المزيد من الفرص للعملية السياسية التي شدد الكرملين والخارجية الروسية دوما ومنذ انطلاق ” عاصفة السوخوي” على ان العمليات العسكرية لن تحل بديلا عن الجهد الدبلوماسي وصولا الى تسوية سياسية مرضية لجميع الأطراف وتستند الى خيار الشعب السوري.

ربما ستنطلق تكهنات كثيرة؛ في سياق تحليل قرار بوتين؛ من قبيل ان إسقاط المقاتلة ” ميغ-21″ التابعة لسلاح الجو السوري فوق حماه يوم السبت12 اذار/مارس الجاري؛ كان جرس إنذار بأن داعمي المعارضة السورية الإقليميين، بدأوا تزويدها بصواريخ ارض جو قد تطال سوخوي الروسية.

وقد يذهب البعض الى الاعتقاد بان موسكو، تفاهمت مع واشنطن قبل رحيل اوباما “المقروء” جيدا من الكرملين؛ تحسبا من ان يحل خليفة تحتاج الدوائر الروسية وقتا ليس بالقليل لمعرفة نواياه الحقيقية، والى ان تتضح معالم سياسة ساكن البيت الابيض القادم. فقرر الرئيس بوتين الانسحاب ليقطع الطريق على الصقور في المؤسسة الامريكية المغرمين بجعل روسيا نموذجا للعدو دوما وأبدا.

التفاهمات الروسبة الامريكية حول اوكرانيا، وسعي الكرملين درء هبوب رياح حرب باردة جديدة؛ تمثل لدى غالبية المراقبين القاعدة النظرية المتحركة مثل حروف الحاسوب لقراءة الخطوات الروسية؛ لكنها ربما تفتقر الى ادراك خصوصيات في السياسة الروسية لا تنطبق عليها المعايير التقليدية.

فإلى فترة ليست بعيدة؛ لم يكن احد من “جهابذة” التحليل في الشرق والغرب يتوقع ان تضم روسيا، شبه جزيرة القرم، الى أراضيها مجددا. وقبلها كانت وفرت الحماية لتكريس استقلال ابخازيا وأوسيتيا عن جورجيا.

وخلال سنوات قليلة بدأت روسيا تفرض شروطها على طاولات الأزمات الدولية والإقليمية. ولم يعد بوسع الولايات المتحدة والغرب عموما؛ تجاهل” نيت”، اي “كلا” الروسية التي اعادت الى الاذهان “نيت” أندريه غروميكو، وزير خارجية ما كان الاتحاد السوفيتي وشنفت إسماع العرب وشعوب العالم النامي.

قواعد اللعبة في العالم تتغير؛ ولاعب الشطرنج الروسي لن يترك مواقعه مكشوفة للخصم في اوضاع جيوسياسية مثقلة بشتى الاحتمالات، وعشية ذكرى مرور مئة عام على “سايكس-بيكو” التي كشف بنودها السرية بلاشفة فلاديمير اليتيش اوليانوف الملقب حزبيا بلينين؛ بعد الاستيلاء على السلطة في روسيا القيصرية.

لا يريد فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين لبلاده ان تلعب دور الشاهد الخامل في الترتيبات الدولية الجديدة؛ مثلما بدت روسيا خلال الأعوام الاخيرة من حكم آل رومانوف.

فالمعروف ان سيرغي ديميترفيتش سازانوف وزير خارجية روسيا القيصرية؛ كان قد اشرف على معاهدة ” سايكس-بيكو” واستضاف زميليه الفرنسي والبريطاني في العاصمة بطرسبورغ للتوقيع على بنود الاتفاقية السرية التي كشفها انقلابيو روسيا البلاشفة. ولم تحصل روسيا حينها الا على مكاسب ضئيلة من تقسيم وتقاسم الهلال الخصيب والجزيرة العربية والخليج.

خرج سيرغي سازانوف من العرس بالقليل من الحلوى. وقطعا فان سيرغي فيكتوريفيتش لافروف بعد مئة عام لا يريد لروسيا ان تكون شاهدا خاملا على ترتيبات يعلن الكرملين جهارا انها يجب ان تنطلق من مصالح شعوب المنطقة وارادة شعوبها الحرة.

سلام مسافر