التطبيع الإعلامي مع الإرهاب

137 مشاهدات

التطبيع الإعلامي مع الإرهاب

يحدث أن تظهر إلى العلن الصورة المشوهة للإعلام، لا سيما كلما كان اللبنانيون على موعد مع استحقاق ما. التشوه هذه المرة تجاوز المتوقع وانتقل بالمُشاهد من الدهشة إلى الصدمة. فقد شكلت التغطية الإعلامية الحصرية التي واكبت إطلاق سراح المخطوفين العسكريين لدى «جبهة النصرة» خطوة نوعية في التضليل الإعلامي، والانتقال من المواربة في نقل الحدث والخبر إلى الفضيحة في قلب الصورة وتشويه الواقعة. ليس أدل على ذلك من محاولة إظهار الخاطفين كأبطال يناضلون من أجل الحرية، وهم الذين ذبحوا من العسكريين الرهائن أمام الكاميرات، مقابل العمل على إظهار المخطوفين بصورة الممتنين على حسن الخطف الذي تعرضوا له ونبل الخاطفين في إطلاق سراحهم.

قد يظن المراقب لما حدث على شاشات التلفزة خلال عملية تحرير المخطوفين، أن لـ «جبهة النصرة» تمثيلاً إعلامياً وتغطية صحافية مباشرة لبنانياً وعربياً. بدا المشهد للوهلة الأولى والأخيرة أن بعض المراسلين قد تحولوا إلى ما يشبه الناطقين الرسميين لـ «النصرة»، فيبررون فعلتها ويلمعون صورتها، ويجهدون في إظهارها نداً للدولة اللبنانية. هذا كله يؤشر إلى أزمة عميقة تحمل مخاطر مضاعفة في جرأة الإعلام على التخلي عن بديهيات المهنة ومسلمات الانتماء.

لم يكن الإعلام محايداً يوماً، لكنه لم يكن من قبل بهذا المستوى من الانكشاف بمداهنة الإرهابيين. الغاية المهنية هنا لا تبرر وسيلة الخروج على الأصول الأخلاقية. لقد انكشف مشهد تغطية إطلاق المخطوفين العسكريين على مقايضة سافرة بين السبق المهني وتبييض صورة الإرهاب. التغطية لم تراعِ حتى أصول الخداع، ولم تتوخَّ المراوغة والتدرج في عملية قلب الصورة، بل اعتمدت أسلوب الصدم في تزييف الحقيقة. الخطر في ما حصل، أن بعض الإعلام تجاوز في دوره الانحرافي تشويه الخبر والواقعة إلى خلق منظومة قيم مقلوبة تقوم على تسويغ العنف ودعم الإرهاب. فإن لم تستطع هذه المنظومة التأثير في غالبية الرأي العام، فهي في نهاية المطاف قادرة، من خلال المثابرة والتكرار، على اجتذاب قسم منه بالاستناد إلى الأهواء السياسية والمذهبية لدى المتلقين.

ليست صفقة التبادل بين لبنان و «النصرة» بعيدة عن المسار السياسي الذي يجري العمل على تحضيره للأزمة السورية. في زمن التسويات يذهب البعض الى تبرئة «جبهة النصرة» من الفعل الارهابي وتقديمها بصورة مختلفة عن «داعش»، لمجرد أن هذه الأخيرة قد تفوقت على الأولى في القتل والذبح. المرجح أن محاولات تبييض صورة «النصرة» إعلامياً، تتصل بالعمل على شرعنة وجودها وتهيئتها للانخراط في المعادلة السياسية السورية بوصفها فصيلاً وطنياً معارضاً. العمل على تدجين «النصرة» وإخضاعها لتعديلات شكلية، يفسح في المجال أمام إشراكها في النظام المقبل لسوريا، في ظل انعدام قوى أخرى وازنة من المعارضة السورية. يضاف إلى ذلك أن تعويم هذه الجبهة في سياق الاسلام السياسي «السني»، مع ما هي عليه من التطرف والتشدد، لا يبعد من كونه محاولة لخلق ما يشبه التوازن مع الاسلام السياسي الذي يمثله «حزب الله»، وبالتالي العمل على وضع الجانبين في خانتين متماثلتين برغم ما بينهما من اختلاف وتعارض.

بات التضليل الإعلامي منظومة متكاملة لها أسسها ومعاييرها وآليات عملها. الخلفيّات الحاكمة على سياسات التضليل في القنوات التلفزيونية مختلفة وعديدة. الأسوأ من بين هذه الخلفيات إثنتان حضرتا بقوة في مشهد التبادل العرسالي، الأولى أيديولوجية تهدف إلى تطبيع الرأي العام مع الإرهاب، والثانية براغماتية تبتغي الربح على حساب الهوية والانتماء.

حبيب فياض