من أزمة الرئاسة الى رئاسة الأزمة

377 مشاهدات

03

هل أن نتائج الانتخابات الرئاسية كانت عكس ما كان منتظرا أم شابها من الأمر ما يريب، حتى تعمّ موجات السخط والتذمّر بعض مناطق البلاد؟ وهل أنّ ما حدث هو الترجمان والمصداق لشعار حملة الرئيس المؤقّت ننتصر أو ننتصر؟ أم ترى هي تداعيات يائسة لخطاب بائس متعال عن الواقع استجلب التفجير السياسي، ونفخ في أوداج الفتنة والغلو والتعسّف؟  فبالنظر لنتائج الدور الأول وما حازه كلا المرشحين من أصوات وإجماع كل الملاحظين ومؤسسات سبر الآراء المختلفة التي تجمع على منح نقاط الأسبقية في جولة الإعادة للباجي قائد السبسي، فإن النتيجة تبدو منطقية والعكس غير مسلّم به، وفوز المرزوقي ربما كان ليمثّل المفاجأة باعتباره مخالفا للسير العادي لوقائع الأمور.

مما لا شكّ فيه أن حالة الاستقطاب السياسي الحاد وما رافقها من اشتباك حزبي وتجييش إعلامي حوّل العملية الانتخابية برمّتها الى حرب ضروس ميزّت الجولة الثانية من الاستحقاق الرئاسي، والتي علّقت على نتائجها تبعات قد تكون أكبر بكثير مما تحتمله، حتى عدّت المحطّة الأبرز والأهم منذ تأسيس الجمهورية إذا ما قيست تأثيراتها وانعكاساتها على الساحتين السياسيتين الداخلية والإقليمية في هذا الظرف الحساس، ومعركة “كسر العظام” هذه التي ما كانت تهدأ الا لتشتدّ، استنزفت لحدّ ما الرصيد العاطفي الوطني، وحل الولاء للحزب والزعيم والجهة محل الولاء للوطن، فكانت دعوات خبيثة تتقيّؤها أفواه موبوءة مشبوهة تعيّر منطقة وتخوّن أخرى وتسبّ ثالثة بناء على توجّهاتها الانتخابية ونوايا التصويت فيها.

لقد بيّنت المرحلة الفائتة أن “رئاسة الجمهورية” شكّلت موطن خلل وضعف أداء ولم تكن في مستوى الانتظارات والتحديات، وتغذّت من سهم الأخطاء الذاتية والشخصية، فرئيس الجمهورية حسب دستور البلاد هو رئيس الدولة ورمز وحدتها، غير أن ما رأيناه طوال الفترة السابقة الخلط الكبير وعدم التمييز بين الولاء الحزبي والأداء الرئاسي والغياب الغير مبرّر للرئيس (كما حزبه) عن أهم المحطات السياسية التي عرفتها البلاد وخاصة ترتيبات “الحوار الوطني” التي كان لها الفضل في الخروج الآمن بالبلاد من المأزق الذي انحدرت اليه، فكان أشبه بالكساد السياسي الذي أصبحت الممارسة فيه ملهاة كل “المراهقين” تنظيميا وسياسيا والذين صنعتهم الظروف السياسية المأساوية التي زادت الحال سوءا اكثر مما كان عليه، لقد كنا نعيش أزمة رئاسية مكلفة عطّلت كل المسارات وفاقمت حجم الخسائر التي كان من الممكن تفاديها أو على الأقل التقليص من ضريبتها، دون الحديث عن دوره السلبي أمام عمليه تقسيم المواطنين الى علمانيين واسلاميين وشماليين وجنوبيين وساحل ومناطق داخلية وكأنما البلاد اثنتين والشعب شعبين….

الأكيد أننا الآن بحاجة لترميم ما تهدّم وتجميع ما انفرط والى إصلاح شامل لمؤسسة الرئاسة كي تضطلع بدورها وفقا للضوابط الدستورية، والاستنارة بمنهاج التعقّل والحكمة والموضوعية لقياس المرحلة والخروج الآمن من المسار الانتقالي بمكتسبات “ثورية” تكون محط اجماع وطني ومتناغمة مع المطالب الشعبية، فتكون رئاسة أزمة تسهم في انتشال البلاد من منسوب الفشل الذي عرفته، وتستأصل مواطن الخلل فيه، بمعية كل الأطراف المتداخلة، التي عرفتها مناويل السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية القديمة ولم تثمر الا فقرا وتهميشا وتوتّرا، لقطع الطريق أمام كل المناوئين والمتربصين…..

هشام البوعبيدي