حينما التقى الشاب والشيخان في ليلة من ليالي باريس… !!!

428 مشاهدات

01

كل شيء كان واضحا منذ أشهر طويلة، منذ أن التقى الشاب والشيخان في باريس وعلى وقع موسيقى العشاق أبرمت صفقة  طلاق المرزوقي لأنه ما عاد يُلبي نزوات وشهوات الاسلاميين، وإبرام عقد زواج النهضة بالنداء مع تأجيل التنفيذ حتى ينهي الاخير ارتباطه المؤقت بأحلافه التقليديين، وكم من مرة تحدثنا من خلال هذا المنبر عن الصفقة وبنودها ولكن كان صوت الحكمة والعقل مغيبا وحل محله صراع القواعد على أساس التخوين أججته تصريحات الزعامات التي بنت حملاتها على القطيعة بين الحزبين وأنهما خطّان متوازيان لا يلتقيان، اليوم ما كان غامضا وغير مصدق من الكثير أصبح أمرا واقعا للعيان فنحن على مشارف إتمام الصفقة التي كانت عبارة عن  إعلان حسن نوايا  لتتحول اليوم  لأمر ملموس نعيش تفاصيله، فمهما تعالت الاصوات النافية لهذا التقارب بين النداء والنهضة خاصة من طرف حركة نداء تونس فإصرار قيادات حركة النداء على نفي الامر هو دليل على وجوده، و”من يعتقد بأن أغلب الشعب غبي ولا يفقه في السياسة فهو الغبي بعينه” فما حدث طيلة الاسبوع الماضي من  تقاسم الأحزاب الثلاثة الأولى في الانتخابات التشريعية لرئاسة البرلمان أعطى مؤشرات لملامح المشهد السياسي المُقبل في تونس ويمكن الحديث منذ الآن على ترويكا جديدة بين يمينين (ليبرالي وإسلامي) فما يبدو  واضحا أنّ دهاء الشيخين وقراءتهما للواقع الاقليمي والدولي دفعهما الى التهدئة وربط خيوط التواصل بينهما لترتيب أمور الحكم المستقبلي رغم شطحات المنتسبين إلى الطرفين، بل إن التجاذبات السياسية بين أكبر حزبين في البلاد قد تكون مجرد غطاء وورقة ضغط لتحسين شروط التفاوض بينهما والتأسيس  لتحالف  ضمني للمرحلة السياسية المقبلة في البلاد والتي سيتعاون الطرفان على إدارتها، مع منح دور “هامشي ” للحزب الثالث (الاتحاد الوطني الحر) بإشراكه في الحكم  لإضفاء صفة حكومة الوحدة الوطنية التي يدعو لها الطرفان.

فما كان محرما بالأمس القريب أصبح مصلحة وطنية في هذه الايام ومن ينتقده يغرد خارج سرب المصلحة الوطنية، وإعلان رئيس «الوطني الحر» سليم الرياحي دعمه للباجي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية عربون وفاء وإبراز حسن نوايا لإرضاء الندائيين، وتشريك كل الأطراف في  تحمّل المسؤولية خاصّة وأنّ الحكومة القادمة ستجد نفسها غارقة في ملفات شائكة ليس من السهل فرزها فضلا عن إيجاد حلول لها حتى في المدى المتوسّط، وفي طليعتها ما هو اقتصاديّ واجتماعيّ، وهي مسؤولية لا يقدر أيّ حزب أو ائتلاف غير واسع على تحمّل كلفتها العالية والبلاد على مرمى عامين أو أقلّ من انتخابات بلدية، لكن هذا السيناريو يبقى مرهونا  بنتائج الانتخابات، فصحيح أن مثل هذه التحالفات تضعف من حظوظ المرزوقي إلا  أنّ إمكانية حسم المنصف المرزوقي تبقى واردة وخاصّة بالاستفادة من الغاضبين هنا وهناك على هذا التحالف الذي يقيّمونه بأنّه غير طبيعيّ بما يقلّل من عدد المقبلين على التصويت في معسكر قائد السبسي وينقلب السحر على الساحر. ولجوء بعض الأطراف السياسية لـتعويم المبدأ الأساسي للديمقراطية الذي يتمثل بالتعددية ووجود سلطة ومعارضة ومحاولة الانحراف بالتجربة الديمقراطية نحو الوصفة السحرية السويسرية التي يصبح الجميع فيها يحكم ولا أحدا يعارض، وهنا مربط الفرس وهو الخطر الحقيقي على التجربة الناشئة في البلاد فبمثل هذه التحالفات تسير البلاد نحو إرساء الفكر الواحد تحت قناع  تعددية خالية من التناقضات التي لا بد منها لأي نظام تعددي  حقيقي.

يبقى الأمل في ظهور جبهة سياسية ثالثة قادرة على تعديل المشهد تتقدم الى الشعب برؤية سياسية واقتصادية واجتماعية تلامس المشاكل الحقيقية للمواطن.

لكن ورغم تلاشي بعض الضبابية عن المشهد، فإنّ كل الاحتمالات تبقى واردة في بلاد لم تنفك تفاجئنا بتجارب غير مسبوقة. .

منير بلغيث